في السنوات الأخيرة، صارتِ المبالغة لإحياء حدثٍ ما تتصاعد تدريجيًا حتى طالتْ المناسبات الدينية، وأجدُ في هذه الأوقات المُقبلة على شهرِ رمضان المبارك أن الإنسان يختار القشور عوضًا عن جوهر الشهر، وفي مجمل الحياة، أصبحنا نختار البهرجةِ وتوثيقها بالصور وعرضها للجميع لنثبت أننا معهم فيما هو رائج ، الذي بدأ يصبح أكثر من كونه شيئاً رائجًا بل شيئًا ثابتًا لابدّ أن يحدث سنويًا، مثل الإعداد لشهر رمضان الكريم بدءًا بزينة الحائط وانتهاءًا بالديكور الخاص بطاولة المائدة ناهيك عن اختيار أزياء معينة لليالي (الغبقات) ، هل هذا هو الإعداد الحقيقي والمناسب لاستقبال شهر القرآن؟
لماذا أصبح المجتمع مهووسًا بالمنظر دون الوصول إلى المعنى ؟ أنا أعترف أن المناظر جميلة و(الجوّ) الرمضاني يطغى في كلّ مكان لكنها في نهاية الأمر كلها قشور … دائمًا يظهر في ذاكرتي صور شهر الله عندما كنت طفلة، وتغمرني السعادة عند سماع صوت الجرس يتزامن مع وقت أذان المغرب، إنهم الجيران. الآن كبرت وصرتُ أعرف أنّ يمكن لمشاعر المحبة أن تكون على هيأةِ طبق طعام، أفتقد مشاعر الألفة والتراحم هذه.. وكيف يمكن لمجتمع صغيرٍ أو حيًّ من الأحياء أن يكون بهذا التلاحم الذي لا تخشى فيه على طفلك من تبِعاتِ (الشارع)، كيف كان شهر الله يثير معاني الرحمة والترابط والعطف والإيثار؟ أما الآن ؟ ماذا حدث؟ قبل أشهرٍ قليلة ولازدحام المواقف.. نضطر إلى ركن المركبة (بالقرب) من منزل أحد الجيران الذي في آخر الأمر أبلغنا أنه سيرفع بلاغًا للشرطة لأننا أوقفنا السيارة في المساحة المواجهة لمنزله! وأن هذه مساحته الخاصة! فأصبحنا نركن السيارة في جهة بعيدة بعض الشيء دون التعرض لهذا النوع من المحادثات …
إن هذا النّوع من الابتلاء يذكرك أنّنا أصبحنا مجتمعًا سطحيًا و أنانيًا للغاية، و نريد أن نخبر الجميع أننا نهتم بشهر الله بوضع عدد من الفوانيس وتعليق أشكالًا لامعة من النجوم والأهلّة وداخلنا منطفيء تمامًا فلا نجمة تحط على الأفئدة ولا حتى هلال .
كيف يهذبنا الشهر ؟ كلٌّ لابدّ أن يبحث عن طريقته الخاصة ، لكن ، وبصراحةٍ مطلقة.. لم أكن ألتفتُ لهذا مسبقًا، الآن دوري كأم .. أن أجعل طفلَيّ يشعران باختلاف شهر الله عن باقي الشهور بسمات الشهر نفسه، (شهر الصيام، شهر المغفرة والرحمة، التكافل والكرم، تطهير النفس) وأنّ النفس مجرّدة من مادية ما يحدث، وأبعاد الشهر تحفظ الروح وتعرج بها إلى النّور، فلا بد أن نوظف جهودنا ومشاعرنا وأفعالنا لله لا لشيءٍ آخر، فكلّ ما لله ينمو .. فتخيّل أن تضع بذور الإحسان والرحمة في قلوب الآخرين – لوجه الله – وفيما بعد ستكون هذه البذور أشجارًا ترخي ظلالها عليك في الشدّة وتهبك ثمارها في الرخاء.


