شهر رمضان أم شهر الزّينة؟

في السنوات الأخيرة، صارتِ المبالغة لإحياء حدثٍ ما تتصاعد تدريجيًا حتى طالتْ المناسبات الدينية، وأجدُ في هذه الأوقات المُقبلة على شهرِ رمضان المبارك أن الإنسان يختار القشور عوضًا عن جوهر الشهر، وفي مجمل الحياة، أصبحنا نختار البهرجةِ وتوثيقها بالصور وعرضها للجميع لنثبت أننا معهم فيما هو رائج ، الذي بدأ يصبح أكثر من كونه شيئاً رائجًا بل شيئًا ثابتًا لابدّ أن يحدث سنويًا، مثل الإعداد لشهر رمضان الكريم بدءًا بزينة الحائط وانتهاءًا بالديكور الخاص بطاولة المائدة ناهيك عن اختيار أزياء معينة لليالي (الغبقات) ، هل هذا هو الإعداد الحقيقي والمناسب لاستقبال شهر القرآن؟

لماذا أصبح المجتمع مهووسًا بالمنظر دون الوصول إلى المعنى ؟ أنا أعترف أن المناظر جميلة و(الجوّ) الرمضاني يطغى في كلّ مكان لكنها في نهاية الأمر كلها قشور … دائمًا يظهر في ذاكرتي صور شهر الله عندما كنت طفلة، وتغمرني السعادة عند سماع صوت الجرس يتزامن مع وقت أذان المغرب، إنهم الجيران. الآن كبرت وصرتُ أعرف أنّ يمكن لمشاعر المحبة أن تكون على هيأةِ طبق طعام، أفتقد مشاعر الألفة والتراحم هذه.. وكيف يمكن لمجتمع صغيرٍ أو حيًّ من الأحياء أن يكون بهذا التلاحم الذي لا تخشى فيه على طفلك من تبِعاتِ (الشارع)، كيف كان شهر الله يثير معاني الرحمة والترابط والعطف والإيثار؟ أما الآن ؟ ماذا حدث؟ قبل أشهرٍ قليلة ولازدحام المواقف.. نضطر إلى ركن المركبة (بالقرب) من منزل أحد الجيران الذي في آخر الأمر أبلغنا أنه سيرفع بلاغًا للشرطة لأننا أوقفنا السيارة في المساحة المواجهة لمنزله! وأن هذه مساحته الخاصة! فأصبحنا نركن السيارة في جهة بعيدة بعض الشيء دون التعرض لهذا النوع من المحادثات … 

إن هذا النّوع من الابتلاء يذكرك أنّنا أصبحنا مجتمعًا سطحيًا و أنانيًا للغاية، و نريد أن نخبر الجميع أننا نهتم بشهر الله بوضع عدد من الفوانيس وتعليق أشكالًا لامعة من النجوم والأهلّة وداخلنا منطفيء تمامًا فلا نجمة تحط على الأفئدة ولا حتى هلال .

كيف يهذبنا الشهر ؟ كلٌّ لابدّ أن يبحث عن طريقته الخاصة ، لكن ، وبصراحةٍ مطلقة.. لم أكن ألتفتُ لهذا مسبقًا، الآن دوري كأم .. أن أجعل طفلَيّ يشعران باختلاف شهر الله عن باقي الشهور بسمات الشهر نفسه، (شهر الصيام، شهر المغفرة والرحمة، التكافل والكرم، تطهير النفس) وأنّ النفس مجرّدة من مادية ما يحدث، وأبعاد الشهر تحفظ الروح  وتعرج بها إلى النّور، فلا بد أن نوظف جهودنا ومشاعرنا وأفعالنا لله لا لشيءٍ آخر، فكلّ ما لله ينمو .. فتخيّل أن تضع بذور الإحسان والرحمة في قلوب الآخرين – لوجه الله – وفيما بعد ستكون هذه البذور أشجارًا ترخي ظلالها عليك في الشدّة وتهبك ثمارها في الرخاء. 

هاتفٌ أرضيّ وساعة يد

كنتُ أتحدثُ مع زوجي عن حجمِ معاناتي في التركيز في أي شيء يبدو تافهًا، كالتركيز مع متحدّث مثلًا، وكم أستصعب تداول الحديث مع أي أحد لمدة تزيد عن عشر دقائق! يغيب ذهني أغلب الوقت دون فائدةٍ مرجوّة منّي فأبدو كمن كان يمضي في الحوار كيفما اتفق، دون اهتمام بالغ مني.. كم من المرات أقع في فراغ عدم الفهم الغائم جدًا فأطلبُ من المتحدث تكرار كلامه بملامح بلهاء و فاقدة للتركيز تمامًا.

لكن … كيف يمكنني أن أشرح لكل فرد أصادفه في أيامي المزدحمة دائمًا بالوجوه الكثيرة والأفواه التي لا تسكت بأنّ ما أمر به لا إراديّ وخارج نطاق تحكمي ولستُ أقصد تجاهل أحد لكن هكذا تبدو الصورة في الخارج فأقعُ في دوامة التبرير كما لو أنّه خطأ متعمد؟ 

كيف أشرح للجميع أن متابعة فيلم وقراءةَ كتاب مثلا هي أصبحت أعمال شاقة بالنسبة لي بعد أن كانت متنفس ، أُفق أو فلنقل أسلوب حياة كنتُ أعتمده كثيرًا في جذب عنصر الالهام وتغذية البصر والفكر والمفردات اللغوية الواسعة ؟

كم مرةٍ بدأتُ بمتابعة فيلم وأطفأته بعد مرور فترة بسيطة ذلك أن هاتفي بدأ يُظهر إشعارات من هنا وهناك وصرت أنظر إليه كلما أضاء فتمر الأحداث في الفيلم مرور الكرام دون أن أعيرها انتباهًا مطلقًا … أنا أعرفُ السبب وراء هذا كله، أو فلنقل أنني استنتجته ولربما يكون استنتاجًا ليس صحيحًا في أغلبه، لكن هذا ما يبدو لي حقًا، أعرف تمامًا كم سأبدو غريبة أطوار في طلبي الذي طلبته من زوجي وقراري الذي قررته بأنني من الآن فصاعدًا إن كان ثمة من يريد التواصل معي يتصل على الهاتف، لابد أن نشتري هاتفًا أرضيًا برقم ثابت.. أريد أن أعيش حقبةَ الأعوام السابقة. 

أجابني بتهكم أنني أبعد شخص يحب التواصل الصوتي ودائمًا ما أعتمد في تواصلي مع الآخرين بالرسائل، فأجبته أنني متأكدة أن ما أوصلني لحالة الشرود المستمر هو الهاتف الذكي الذي جعلنا أغبياء في آخر الأمر ، أريد التخلص منه كما لو أنه وباء، سأرتدي ساعة يدٍ لأعرف الوقت فلا داعي أن أعتمد النظر إلى هاتفي لأعرف ذلك ثم يجرّني بعدها سيلٌ من الاشعارات التي لا طائل منها.

بداية اليوم تبدأ بمنبّه الهاتف الذي بعد أن تُخرِسه للمرة المليون تستيقظ بنصف عين وتنظر لساعة الهاتف ثم تلقي نظرة على كمية الاشعارات التي أضاءت ليلًا دون لقاء عينيك فها أنت ذا تفي بالوعد الذي قطعته على نفسك بلا وعي تفتح واحدًا تلو الآخر، تنظر للأخبار الدموية – على الريق – ، تشحن نفسك بغضبٍ ما وكمد طويل ، ثمّ تنتقل لرسالة المرور التي تيقظك حقًا وتخبرك بتجاوز السرعة وعليك دفع مبلغ ما – كمية من التوتر العالي لصباح سعيد!- ،  ثم تنتقل لهذا وتلك ممن يملأون رأسك بالفيديوهات القصيرة التي تكتشف فيما بعد أنّها ليست إلا أفكار سريعة تتبخر بعد مضي دقيقتين وقد أوجعت رأسك المشحون بالكثير أصلًا ، فتبدأ باللعن على هذا وذاك كما لو أنهم لصوص قد سرقوا الوقت وتظل حانق ومنصدم  من مضي هذا الوقت كله مما تسبب في تأخرك عن العمل، وتسرع مجددًا في الشارع لحاقًا بالوقت المسروق فترصد سرعتك كاميرات الشارع وتبتلع مخالفة أخرى على مضض، وهذا باختصار روتين حياتك

جميعنا يعرف مساوئ المقاطع القصيرة التي يتداولها الجميع في جميع المنصات بأنها تعطينا خلاصةً ما من المعرفة فنبدو متبحرين في كل شيء بينما في الواقع نحن نكدس الكثير مما لا تطيقه وتحتاجه عقولنا ثم تصبح – هذه المعلومات – هباءً بعد دقيقتين  ، ولا نفهم حينها عدم تحملنا لإكمال معرفة معلومة بشكلها الواسع والمتقن من كل جانب ، من خلال كتاب أو فيلم وثائقي مثلا ، من خلال ورشة جماعية أو حتى حوار طويل وعميق مع شريكك في الحياة، ذلك لأننا أدمنّا معرفة الشيء بسهولةٍ ويُسر! .. نحنُ فقدنا القدرة على الاستماع والتحدث، وصرنا نعتمد على تواصلنا أيضًا بمراسلة هذه المقاطع حتى وإن كنا جنبًا إلى جنب . 

أين ذهبت المتعة التي كنا نقضيها أمام التلفزيون مع العائلة؟ مشاهدة الأحداث (معًا)، الضحك (معًا)، البكاء (معًا)، التأثر بكل أنواعه معاً! كلٌّ منا متقوقع الآن بمفرده ويرى ما  يراه وحيدًا لكن بحضور الجميع، مع الآخرين وليس معهم، يجمع الخلاصات والنفايات من وسائل التواصل الـ لا اجتماعية في ذاكرته ، ثم ينهار من فرط المعلومات بعقل ضبابيّ للغاية. 

هل أبالغ ؟ لا أعلم .. لكن زيادة الشيء كنقصانهِ دائمًا …. 

دَاء المثاليّة

دائرة القَلقْ

في يومنا هذا،  نشهد صراعًا مستمرًا في أدمغتنا التي كنّا نعتقد أنّها محميّةً بجمجمةٍ صلبة؛ لكنّ صلابة هذهِ العظام المحيطة بالعقل لم تكن كافيةً لأن تحفظه من فرطِ التفكير، أحيانًا أن تتعرض لضربةٍ على الرأس تطيب بعد فترة وجيزة .. أفضل بكثير من أن يتعرض عقلك للتهالك تحت وطأة القلق. لماذا ؟ لأسباب كثيرة … وأشدّها في وقتنا هذا ، أنّك لابدّ أن تتركَ أثرًا وتمارسَ حياتك بمثالية عالية ونظام محسوب بالسنتيمترات.

حَياة لا تُشبه الحَياة

أن تفيق كأبطال الأفلام منذ الفجر، تمارس الرياضة لتحافظ على لياقتك في عمر السبعين، تتناول طعامًا خاليًا من الدهون والسكّريات، تصل العمل باكرًا دائمًا، شغوف بعملك هذا، بيئة عمل يحلم بها الجميع! ، فيلا ضخمة وسيارات فارهة، الهدوء دائمًا يعمّ المكان، برغم وجود أطفالك، آه أجل، الأطفال! لا توجد فوضى إطلاقًا.. وكل شيء يسير وفق نظام محدد ومجدول زمنيًا في أجندة مكتوبة منذ بداية العام، لا يوجد إفراط في الوقت، كلّ ثانيةٍ تُمثّل قيراطَ ذَهب!

الحقيقة

الواقع أنك تضع لنفسك هذه الأهداف الضخمة في حينِ أن الإمكانيات ضئيلة بالنظرِ إلى شاهقِ الطموح، لا أقولُ أن تتوقف عن هذا الطموح ، بل أجل .. السعي الحثيث لا يحقق إلا كلّ خير، لكن .. لا يجب أن يكون كل شيء مثاليًا ورائعًا ، لابدّ أن نتصالح مع استحالة أن تكون بيئة العمل رائعة مثلًا ، أو ليس بالضرورة تجبر ذاتك على ممارسة الرياضة كل يوم كما لو أنّها فكرة تطحن دماغك حتى تحققها لتصبح في نطاق الأشخاص المثاليين، أن تقلق بشأن كل شيء لا تستطيع تحقيقه ببساطة لأن ثمّة ظروف تمرّ بها أولى ، العناية بطفل مثلًا … في الأشهر الأولى لرعايتي بطفلي .. كان كلّ تركيزي على تحقيق كلّ سبل الراحة له، حتى لو كانت الشقة أشبه بزلزالٍ حلّ بها …

صحيحٌ أنني كنتُ أشعرُ بالضجرِ حين أبحث عن شيءٍ ما ، وكنتُ أجدُ الصعوبة في ذلك تحت كومة الملابس التي للتوّ أخرجتها من المجففة ولم أستطع ببساطة أن أرتبها مباشرةً كما يجب في الدواليب ، لأن الطفل يبكي، أو لأنه جائع، أو لأنه يريد النوم.. والقائمة طويلة، فكنتُ أجدُ توتري هذا لا فائدة منه سوى صبّ غضبي على أطراف لا شأن لها بما أواجهه ، توقفتُ للحظة، وأيقنتُ أن ثمة حلول كثيرة ومريحة للتنظيف والترتيب، أن تأتي عاملة لمساعدتي مثلًا !

فأنا لا أستطيع فعل كل شيء بمثالية عالية، بل بالامكانيات الموجودة، أعلمُ كم يبدو كلامي يحثّ على التراخي والكسل، بل في الحقيقة هو أقرب للتخفف من أعباءِ ما (يجب) فعله ، فليسَ كلّ أمر في الحياة يجب أن نفعله و إن لم نفعل ذلك سنواجه توترًا وقلقًا مُميتا حتى نتمكن من تحقيقه .

 التحرُّر – Liberosis 

الرّغبة في العيشِ بهدوء وعدم الإكتراث كثيرًا لما يجري، الرّغبة بالعيشِ برشاقةٍ بعيدًا عن الجديّةِ المفرطة.

                                                                                           د.محمد الحاجي

 

خُلاصة

لعلّها مسألة أولويات، ثمّ مسألة وقت ، حتى نتمكّن من مقاربةِ أحلامنا بلا ضغط مستمر أو إلحاح ذاتيّ، وَ دائمًا .. كما يقولون، الاستمتاع في الرّحلة لهوَ أشدّ حلاوةً من الوصول نفسه، الحياة رحلتنا الخاصة .. التي فيها من التقلبات ما فيها، وليستْ بالضرورةِ أنّها خالية من الشوائب .. وكلّ ما نراه الآن في وسائل التواصل الاجتماعي هو المُحَصّلة لتلك التقلبات ، فالجميع لا يريدك أن ترى الجانبَ السيء من حياته، بل يسلط الضوء دائمًا على مثاليته في كلّ شيء، وفي الحقيقةِ باتَ أشبه بداءٍ أشدّ فتكًا من أيّ ڤايروس آخر، ذلك لأنه يؤثر على السلام الداخلي وسلامة العقل بشكلٍ أكبر، أن تضع نفسك دائمًا في مضمار المثالية وتُسابق الجميع في محاولة لمنافستهم حتى ولو كانت إمكانياتك محدودة . 

دوّامةُ العلاقات …

في العلاقاتِ لابدّ أن تعرفَ ما لكَ وما عليها تجاهك، ليس من بابِ الأنانية لكن، منفعة مُتبادلة خيرٌ من استنزاف مستمرّ لطرف واحد في هذه العلاقة، ولابدّ من وضع حدودٍ وإطارٍ لكلّ علاقة نمرّ بها. فإن كانت العلاقة زوجية فإطارها العائلة والحميمية والحبّ، لا يشوبها مثلًا أشياء خارجية كأمور العمل، هنا يختلط الحابل بالنابل ، والعكسُ صحيح ، أنتِ موظفةٌ في العمل ، حدود هذه العلاقة في العمل ولأجل العمل، لا يشوبها أي تواصل من نوع آخر أو التدخل في الحياةِ الشخصية. 

إن الانسان يكفيه مالديه من مسؤوليات في حياته الشخصية، وقدومه للعمل فقط لتفريغ طاقته فيما يعمل به، فلا أظن أنّ من اللائق خلط الأمور بعضها ببعض، فحينها مسمّى العلاقة يضيع وتضيع بعدها الحقوق تِباعًا، لكلا الطرفين، خلق الصداقات في بيئة العمل قد يكون نوعًا من أنواع الضغط النّفسي، والإيذاء المستمرّ بحسن النيّة!، حتى وإن كان الطرف الآخر يظن أن ما يفعله في مصلحةِ هذا الموظف. جميلٌ أن تجمعكما علاقة الزّمالة التي  لربما تزيح شيئًا عن كاهلك بوجود شخص يشعر بضغط العمل تمامًا كما تَشعر، لكن أن تصلَ الأمور إلى توجيه الآخر في اختيار قرارٍ ما ، والقرار شخصيّ للغاية، لأن مصلحة العمل تقتضي بذلك، وأنت لا تعلم حينها أنه لمصلحةِ العمل لا لمصلحتك ، لأنكما كنتما في فترةٍ ما قد أضعتما هذا المسمى ما بين الرفقة أو علاقة عمل، فالثقّة عالية ومُسلَّمٌ بكل قولٍ يُقال، فتختلط الأمور بعدها، وتخوض صراعًا بين أن تكونَ عقلانيًا في قرارك أو لأجل فلان لن أفعل ذلك .. وتستمر في المزيد مما لا تطيق ، لأجل الآخر، لا لأجل نفسك وواجبك وفقط . 

إن سمومَ هذه العلاقةِ مستمرّة، حتّى وإن أغمضتَ عينيك لتهرب من الواقع، عقلك الباطن لا يزال يظهر صور هذا الشخص كما لو أن واجبك أن ترضيه دائمًا لا أن ترضي نفسك، ثمّ حين تحين المواجهة ، تُصبح الأعذار مختلفة وسامية ومثالية بينما أنتَ تبدو كالأناني والانتهازيّ الذي اختار مصلحته فوق الجميع وقد تسبّب بالكثير من الدراما التي لا طائل منها حقًا ، بينما في الواقع من حقّك أن تقول ما يزعجك، وأن توجدَ حلولًا لها، وإن كانت الحلول موجودة فماذا تنتظر؟، هنا ، فترة الانتظار هذه، تُصبحُ الكرةَ التي يركلها الجميع في ملاعبهم، كلّ شخص يخبرك رأيه بما يناسبه هو لا ما يناسبك، تختار فيما بعد ما تُريد، فيُشعركَ البعض أن خيارك خاطىء بطريقة أو أخرى ، وأنت تصغي ، وربما تضيع عليك الفرص و أنت تصغي.. واثقًا بهذا وذاك ، مسلمًا أمرك للقاصي والداني .. بينما نفسك لم تقف عندها وتخبرها بماذا حقًا تريد؟ ومالذي يمنع؟ اصغي لنفسك أولًا وأخيرًا ، سيكون درسًا قاسيًا أن تصغي للغرباء …. 

خلاصة القول، إن كنتَ موظفًا ، فحافظ على علاقتكَ برئيسك بحدودها ، حتى إن كان ثمّة شيءٌ تستحقه تأخذه بجدارتك لا أن يُمنّ عليك به كلّ مرة ، وإن كان ثمّة شيء لا يعجبك، تقوله دون تردد .. لا أن تُفضّل السكوت حتى يمتليء قلبك حفاظًا على هذه العلاقة الغريبة ، وحافظ على نفسك قبل أن تغرقَ في دوّامةٍ كهذه، فتخيّل أن تقضي ثلاثة أرباع يومك لأن ترضي فلان وفلان على حساب ذاتك؟  

صدّقني، ما يهمّ هو الصورة

في عامّ ٢٠١٠م ، تخرّجتُ من الثانويّة بامتياز، لكن لم تكن النسبة تقارب المئة حتّى أُقبل في كليّة الطب، فكان حينها هذا التخصص الوحيد الذي تُفغر له الأفواه، ثمّ يأتي بعدها التمريض، ثمّ أي تخصص طبيّ آخر، درستُ سنةَ في جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، وبعد السنةِ التحضيرية كان تخصص ادارة الأعمال هو الوحيد المتاح، فكنتُ حينها كمَن ضيّع عامًا من عمره، هذا التفكير المنحط ونظرية القطار الذي يمضي… ولا يصطحب معه الأمنيات والأحلام. 

في عامّ ٢٠١١م ، بالتحديد في منتصف العام الدراسي، صرت أبحث عن أي تخصص آخر / في نطاق الصحّة ليقبلني، كانت المعاهد الصحية أغلبها تَقبل من بداية العام الدراسي، ماعدى معهد المواساة للعلوم التطبيقية، دخلتُ المبنى، كان أشبه بعمارة مهجورة، تفاجأت بوجود موظفة استقبال أصلاً.. سألتها كمن يدخل متجرًا يرى المتاح من بضائعه، ماذا لديكم من تخصصات؟ كلّ المقاعد امتلأت، لكن هناك مقعد وحيد في تخصص مساعد طبيب أسنان – كانت هذه اجابتها، فقلتُ لها حسنًا، هذه أوراقي ، وقدّمتُ لها الملف ، وبقيَ المبلغ المالي للتسجيل، فأخبرتُها أنني سأعود غدًا بالمال. 

خرجتُ من المعهد متجهةً إلى سيارةِ أبي الذي كان بانتظاري، سألني ماذا حدث؟ قلتُ له نفذت كل المقاعد في صفوف التمريض والمختبرات، ظلّ مقعد واحد في تخصص مساعد طبيب أسنان.. سألني، وما هو هذا التخصص؟ أخبرته لا أعلم .. ظلّ حائرًا، لكن ظل صامتًا في آن واحد، كان يعلم حجم الضياع الذي كنت تائهةً بداخله ، بعدَ مضيّ ربع ساعة تقريبًا، اتصل لأخي الأكبر وسأله ماهو تخصص مساعد طبيب أسنان؟ فأجابه بعدم المعرفةِ أيضًا .. يا للروعة .

لم أكُن واعيةً حينها ، أو حتّى مُهتمة لمعرفة طبيعة العمل، في النهاية سوف أرتدي معطفًا وأعمل في مشفى ، كأي شخص رائع وناجح ، كانت هذه الصورة المثالية للنجاح حينها، صدّقني، ما يهم هو الصورة حقًا . 

كانتِ الدراسة دبلوم، فالتخصص لا يحتمل أكثر من كونه دبلومًا، كلّ المواد كانت بالنسبة لي سهلة، تخرجتُ بعد عامين بمعدل ممتاز ، توفيَ أبي قبل أن أتخرج بعامّ .. فكانت فرحة النجاح مليئة بالغصّة والدموع، ولكن، لحسن الحظّ أنّه لم يعرف حجم المعاناة التي أعانيها الآن وراء اختيار هذا التخصص … 

مع فائق احترامي لجميع موظفيّ هذه المهنة، لكنّها لا تعجبني، كلّ ما في الأمر أننا نساعد الطبيب في الحصول على ما يحتاجه من أدوات لعلاج المرضى دون أن يلمس الأسطح المُطهرة بيديه الملوثتين بالدّم واللعاب … فحفاظًا على نظافة المكان وعدم انتقال  العدوى وُجِدَ هذا التخصص ، كلّ ما في الأمر أننا نُطهر المكان ونُناوّل الطبيب ما يريد . 

بعدَ مضيّ فلنقل ، ستّ سنوات من ممارستي لهذه المهنة، عادت مشاعر الضياع التي كان يَحذر أن يفتحَ جراحها والدي آنذاك، وبدأت أشعر بالقرف الشديد مما أنا فيه، لربما هي مُشكلةٌ أعانيها أنا وحدي، فبقية الموظفين من نفس تخصصي يعيشونَ أيامهم باستقرار وثبات روتينيّ ، كنت ولازلت حتى هذه اللحظة ، أي بعد مضي ثمان سنوات ، لا أجدُ نفسي في تخصصٍ دخلته لأنه الوحيد المُتاح ، لا يشبهني، ولا يُحقق شيئًا من ذاتي . 

عندما أواجه سؤال : لو عاد بي الزمن ماذا سأغيّر؟ كانت اجابتي دائمًا هي تخصصي، فتخيّل أنّك يوميًا تصحى صباحًا لتعمل شيئًا تمقته، بل أنت مُرغمٌ عليه بإرادتك ، ولا شيء قد يُغيّر الواقع عدى أن تخرج من ثباتك المزري نحو مغامرة أخرى، مغامرةٌ تُرضيك وتُشبهك ، مُغامرة تُحقّق فيها كلّ ما يكبلك في دائرة التطهير والتنظيف ومكافحة العدوى في عيادات الأسنان، مُغامرةٌ أستطيع بها أن أخبرَ أبي حين ألقاه .. أنّني تفوّقتُ على حيرةِ ذاتي، واستطعتُ معرفةَ ما أريد، ودرستُ بعد سنوات عجاف شيئًا يضيء روحي، فكلُّ الذي أمرّ به الآن .. هو انطفاءٌ وتضاءلٌ وتعبٌ شديد وحبوب مضادّة للاكتئاب أحارب بها تعاسة هذا الواقع، ولا تهمّ الآن الصورة ، لا يهمّ المعطف الأبيض ولا المستشفى .. يهمنّي أنا .

بحثًا عن حقيقتك

أنت تخشى دائماً، أن تكون ضدّ التيار،  ولكن لا يزال يتعبك عبورك المُعتاد مع الجميع .. أن تكون مختلفًا ببسالة، يعني أن تُذكِّر نفسك دائمًا أن كلّ ما تمرّ به ليس بالضرورةِ حقيقيًا جدًا حينها قد ترميك شجاعتك هذه في مواجهةٍ أخرى أشدّ حدّة من سابقتها؛ ستختار النزول لأسفلِ عمقٍ في الماء لو تطلب ذلك وأن تقفز بمليء إرادتك من قطار يسرع في الثانية مئات الكيلومترات دون أن تتأذى، بحثًا عن حقيقتك أنت . 

سيكون المنطق في جيبك كلما احتجتَ إلى برهنة ما يحدث، لا عاطفةَ هنا ، ستكون قويّا بما يكفي لأن تختار ما تريد أنت، لن يتوقف في طريقك شيء أو أحد ، سيكون دائمًا ثمة حل لكل العُقَد التي تجد طريقها دائمًا نحوك سواءً كانت – تلك العقد –  على هيأة بشرٍ أو مواقف … 

أن تمضي عكسهم يعني أن تختار نفسك قبل الجميع ، أن تحافظ على ما تبقى من أفكارك الخاصة ونهجك في الحياة دون أن تؤثر عليها عادات الآخرين ، ستكون شجاعًا بما يكفي لأن تُسقِطَ الأقنعة، أولئك من ظننتَ أنّهم يقفون معك سوف يطرحونك أرضًا يومًا ما، بل لن يمدوا يدًا لينتشلوك من خيبة الواقع . 

حينها فقط، سوف ترتقي بأخلاقك وهم يهبطون بدورهم، وذلك ما قد يدفعهم للخوف على مكانتهم ، أنت تعلو وهم يسقطون لذا سيحاولون ويحاولون جرّك للأسفلِ معهم ، كما لو أنّهم لعنة أبدية أو وحلٌ يشدّك مكانك فلا تستطيع التحرك أو حتى المقاومة ، لكنّ الخوف لا يهزمك بل يحفزّهم لأن يستمروا في العداوة التي لا مبرر لها ؛ بينما مخاوفك التي تعشش في أعماق دماغك هي أن تنجرف مرغمًا مع تيّارهم ، أن تفكّر من خلال آرائهم لا آرائك أنت ، أن تتبع أسلوبهم لا أسلوبك أنت ، أن تكون إمّعة لا شيءَ يميّزك .

ستقاوم كثيرًا ، سيكلفك الأمر طاقتك كلها، ستنفذ بلا شك، سوف تضحي بالكثير.. ربما تخسر نفسك في بادئ الأمر وتخوض المزيد مما لا تطيقه روحك ؛ لذا ستنأى بنفسك وتترك السّاحة كلها، تعتزل الوجعَ وتغلق الباب خلفك برَاحة ، تؤنسك الوحدة أكثر من أي وقت مضى . سينشغل الآخرون بصنعِ المزيد من العداوات بين بعضهم البعض ، بينما أنت تقف خارج إطارهم ، عدوّك الوحيد هو ذاتك، تظلّ تروضها وفق ما يناسبك ، ثم تنمو مجدداً باتجاه الضوء فلا يسحبكَ ظلامهم .. أو .. ظُلمهم . 

لا شَيْءَ لي …

قالت : 

لا شيءَ قد يُظهر أسوأ ما فيك سوى تحمّل أمور لستَ مجبرًا على تحملها، مرونة الروح صارت تتصلب حتّى أصبحتْ حجرا جامدًا، لا روح هنا . كيف يطلب الآخرين منّا مزيدًا من العطاء برغم ابتلاعنا للكثير من المرارة؟ كلّ ما يحدث في هذا الأسبوع من تشرين الأول، يجعلني أكره رؤية نفسي في المرآة، إنّها الأحداث المُفجعة في غزة العزيزة، لا وجه للمقارنةِ فيما أمرّ بهِ وما يمرّ بهِ الأطفال والنساء والجميع هناك … لكنّي، أريد أن أنتصرَ لنفسيَ على الأقل! العجز الذي أشعره تجاه المفجوعين يأكلني، والمواقف التافهة التي أمرّ بها عاجزةً تبتلعني، أشعرُ بالعجز والتيه الممتد من نهايات أعصابي حتى ذاتي كلها، لا شيءَ يشبهني هنا، كأنّ العالم في عالمهم وأنا في ضياعٍ لا سقفَ له، أجد الوجوه كلّها ولا أجد وجهي بل ذاكرة فائضة بما لا أريد رؤيته .

كم يبدو صعبًا طريق العودةِ للذات بعد هجرها اللامتعمّد، حال بيني وبينها الدنيا ، كم يبدو لعينًا شعور أن الحياةَ سرقت نفسي مني، استوطنها الكثير ولا شيء مما سَكنها يُشبهها، كم أبدو مفجوعةً بعدمِ معرفتي لنفسي من جديد، وعدم معرفة ماذا أريد؟ ولماذا أريد؟ ولماذا الآخرين يتوقعون منّا المزيد؟ المزيد من الصبر والتحمل؟ إنّ تدارك الأمر في أوّله أفضل من التحسف عليه فيما بعد، وأنا أريد أن أدركَ ذاتي فما خسرته يكفي. 

وكم أبدو ضعيفة، مرورَ النسيم يهزّني، فكيف العواصف؟ وكيف البشر؟ أعينهم؟ كم تلاحقني.. أو لا تلاحقني؟ لستُ أدري، لكنّي أريدُ العزلة بما أوتيت من عَدم.. فلا قوة أملك، دويّ الآخرين لا يهدأ، هذه الضوضاء لا أحتاجها، تظل تقصف عقلي .. ولا عقل لي، ولا شيء لي .

قلت لها : 

العمر مديد، والفرح صدر رحب، والأحزان ليالٍ عاتمة متى ما أردتِ لها صباحًا سيشرق صباحك، فقط قولي، إنّ السكوتَ شيطانٌ، وقَولكِ فَرَج، وصوتك يصل، ولو أسفل الحطام، وإن كنتِ الحطام، سيعود الألق، ستقرئين كلّ الكتبِ على الرفّ، و تعودين للآلةِ الموسيقية المركونة في البعيد، ويكتمل القمر، وتعوي الذئاب ويعود السّحر وتكتبين الخيال، سيعود وهج الأيامِ ودفئها في بردها وصيفها، سيصبح للطعام مذاق، بعدَ أن تجرّعتِ المرارة، وسيعود للأصواتِ رنيمها بعد أن باتت ضوضاء أبدية . 

على حافّةِ الحياة..

كانت محاولة العودة للماضي، أشبه بالذّهاب إلى الموت بقدمين واثقتين بحتمية ذلك، كلّ الذكريات حادّة للغاية، لا غاية لها سوى أن تكون دامية، كنتُ أحاولُ الوصول إليكِ بكلّ الطرق المستحيلة، حتّى تعثّرثُ حقًا وكان القدر يمنعني من ذلك، لكنّ، ومع ذلك.. آمنتُ بأن الوصول قد يجعلني أفهم ذاتي الآن، ولماذا كل الذي حدث ولمَ مجريات الأمور تقف عندي ولا تستمر… كلّ العلاقات تنهار ما إن تصل إلى باب مشاعري، فلا تصمد طويلاً – تلك المشاعر – وتعود إلى ما كنتُ أعتقدهُ (منطقة أمان وراحة) بعيدًا كل البعد عن المجازفة بقلبي. 

كنتُ أظن أنني على حق فيما أفعل، لكن لم أكن أعلم أنني اخترتُ الموت، والدتي العزيزة، كنتُ اتبعكِ في ذاكرتي، وأبحث عنكِ كثيرًا في أيّامي الخالية من عطفك الذي عرفته، أعلمُ أنكِ اخترتي الغياب منذ صغري، لكن ها أنا أختار البحث عنك وكلّما اقتربتُ أكثر زاد احتراقي، كان بإمكاني الوصول إليكِ بأمان لكن.. شاء القدر أن تسقط هذه الطائرة اللعينة في وسط الغابة، التي أعتقد لا نهاية لها، ويبدو أن الربّ يخبرني بالتوقف عن جلبكِ لحياتي التي اخترتِ الرحيل عنها، ها هو يشغلني بالضياع أكثر، هذه الغابة لا حدود لها صدقًا، وإن كان ثمة حد؟ كان الماء .. مخيّرةٌ بين أن اختار النّهر غرقًا، أو لعلها الحيوانات المفترسة ستخطط إلى حتفي بعناية في ليلةٍ لا ضوء فيها، على ذكرِ الضوء، لقد تعلمت كيف أشعل النّار… وأيضًا كيف أجعل مياه هذا النهر صالحة للشرب، بالمناسبة، إنني حامل، أو أظن أني لازلت كذلك، بعد هذا السقوط يبدو كلّ شيء على الحافة، على حافةِ عُمرٍ، على حافةِ وهم، على حافّة ذكريات، وأشد ما أراه يديك وهي تمسكان يديّ وأنا في الخامسة من عمري، نرقص في مرسمك المضيء، كنّا نضحك ، كان كلّ شيء بخير، كان الضوء حميميًا من النوافذ الطولية، وكم يهزّني البرد الآن…

إنني بين حياتين، إمّا أن أختار الطفلة الصغيرة ذات الخمسةِ أعوام، والبحث عن والدتها برغم السوء الذي قد يحدث آنذاك، أو التجاوز والمضيّ قدمًا، النجاة بحياةٍ لي وحدي، دون أن أضع حواجز عملاقة بيني وبين الآخرين، لقد خسرت ثقتي بالكثير ما إن تركتني، كنت أرى حضنك وحده نقطة الأمان الأولى والأخيرة، وكل الذي ألقاه أختارُ بنفسي خسارته منذ البداية، ما عدى (داني)، استطاع أن يوجد حياة بداخلي، أظنّني سأصارع مايحدث لأجل هذا الطفل، لعله الحب الوحيد الذي سأتمسك به حتى النهاية، لعلّي بذلك أستطيع العبور نحو ذاتي، أستطيع الاستمرار في التنّفس دون غرق، أستطيع خوض المخاض بما أوتيت من وجع، أستطيع أن أقلب صفحة الماضي مع هذا الصغير، أستطيع النجاة بنفسي دونك . 

* هذا النصّ مستوحى من مسلسل (Keep Breathing) ، أظنّه لامسني للحد الذي وجدت نفسي أكتبه من زاويتي الخاصة.

تخبّط

كنتُ أبحثُ عن عنوانٍ مناسب لهذا المقال، وأظنّ (التخبط) يلائم ما يحدث حقًا، التخبط في اللغةِ مفردة تحمل عدّة معانٍ؛ منها : (الوقوعُ بلا اهتداء) ، (السّير بعشوائية وفوضى) ، (التمرغ في أمر وعدم القدرة على التخلص منه)… والكثير من المعاني! التي للأسف لربما عشتها، وأيضًا شهدتها وكان ذلك يثير الشفقة في نفسي على كل من اصادفهُ متخبطًا، بل وبسعادةٍ وغرور يستمر في ذلك .

نحن نقترب من الآخرين دون أن نعلم، حتّى نصطدمَ بحقيقتهم التي لطالما جعلوها لامعة وناصعة، جميلة وجذّابة، فنكاد أن نقع في فخِّهم المظلم، الذي يحوي في باطنه على المزيد من المتاهات العميقة التي في نهايتها قد تجعلك تصل إلى السطحِ مجدداً، بعيدًا كل البعدِ عن ظلامهم العاتي، أو تظل حبيسًا في هذه العلاقة السامة التي لا تعلم، كيف ومتى حدث ذلك؟ كيف كنت مغفلاً وتم استدراجك؟ كيف أفصحتَ عن آراءك؟ التي لا تُعَدُّ شيئًا بالنسبة لهم.. وكانَ الأهمّ رأيهم، وكان الصواب دائماً في صفّهم، وكان الذكاء دائما كما يزعمون بحوزتهم، السؤال: كم من الوقت سيتطلب حتى تدرك ذلك؟ وكم من العمر سيمضي وأنت تظن وتظن، وتُحسنُ الظنون أيضًا .. وتصاب عيناك بالعمى أكثر؟ 

في فترةٍ من فترات الحياة، احتجتُ ذاتي أكثر من كلّ شيء، فصِرتُ قريبةً جدًا منها، وعلى سبيل إسعادها؟ كنت أتعلم العزف على آلةِ الجيتار وأيضًا حصلت على شهادة وورش عملٍ في التصوير السينمائي، أملأ أيّامي الهادئة بالقراءة، وأكتبُ كلما شعرت بالاختناق … لا أذكر هذه الممارسات على سبيلِ المفاخرة بها، بلّ لأنها كانت تقرّبني من نفسي أكثر وتُبعدني عن الآخرين، وكم كانَ لذيذًا البعد عن الآخرين، الشّاهد في هذا، أو فلنقل الرابط بين هذا وذاك، أن ثمة من يتبحر في كافّة النّشاطات على جميعِ الأصعدة، الدينية والثقافية والبدنية والعلمية والأدبية، ولا بأس حتى الآن من هذا التبحر، بل جميل للغاية، لكن ؛ كيف صارت هذه المعرفة سلاحًا غريبًا يضع الآخرين تحتَ وطأةٍ ما؟ كأن تستعرض بكافة ما تعرف وكأن الآخرين أغبياءً دائمًا؟ هل يتعلم الإنسان ليعرف..ليقترب من ذاته التي لا تعلم، أم يتعلم ليُباهي ويُحرِج ويضعك دائمًا في موضع الأبله؟ وليس على مستوى ثقافي فقط، بل حتّى دينيًا، يصبح ناسكًا متعبدًا في الليل، فاعلًا للخير، ولابدّ أن يخبر الجميع بذلك! كما لو أنها صورة التقوى البهيّة التي تعطيك الأمان لهذا الانسان لكنّه يعودُ لشخصيته الأخرى.. أن يكون ظالمًا جائر، كيف يحمل المرء عدة وجوه وأشخاص في هيأةٍ واحدة؟ وكيف يُفاخرُ بذلك دائمًا وأنّه على حقّ وصواب؟ كيف يفعل أفعال الخير والشر مجاهرةً؟ حبًّا وكبرياء عظيما لهذه (ألانا) التي تتعاظم في النفس كلما ازدادت دهشة الآخرين حوله، يستمدّ وجوده من شهقات الآخرين المنبهرة، ولا شيء يبهرني حقًا سوى تمكن هولاء الأشخاص من الاستمرار في لعبةِ الأضواء، سيكون جرماً عظيما في حقهم ألا تلتفتَ لهم، ألا تمجّد أفعالهم أو تترك اطراءً معينا في رصيد غرورهم . 

التناقض، (أن لا يكون الحق والباطل معًا) على سبيل المثال لا الحصر، أن يغريك أن هذا الشخص يساعدُ الآخر بما أوتيَ من (خير وحق) لكنّ فيما بعد، سيتجاوز حدّه مع الآخر؛ بما أوتيَ من (شرٍ وباطل)!، كما لو أنّ المساعدة لم تكن مجانيّة وكان ثمنها نفسك، كرامتك و حريّتك المطلقة. سيكون أشبه بالقيدِ حول رقبتك، أنّه يومًا ما صُنعَ جميلًا، لكن لم يعد الجميل جميلا وكلما مرّت الأيام يزداد الأمر قبحًا وتخبطًا. 

تخيل أن هذا كلّه يحدث، لكن المعنيّ بالأمر لا يعلم أنه بهذا السوء، كلّ الذي يدريه أنّهُ (ربنا الأعلى) معاذ الله، فكيف نُخبر هذا التأله أنه ليس إلهًا ؟ ولا يفترض الطاعة، ولسنا مُجبرين على الالتزام باستمرار علاقة ظنناها سليمةً حتى باتت مؤذية؟ كيف نخبره بأنه تمرّغَ بما يكفي في وحل الكبرياء والغرور والتجبّر ولا يستطيع التخلص منه؟ بل ويترك آثاره المتسخة على براءة الآخرين وسذاجتهم … كيف؟ 

Powered by WordPress.com.

Up ↑