دَاء المثاليّة

دائرة القَلقْ

في يومنا هذا،  نشهد صراعًا مستمرًا في أدمغتنا التي كنّا نعتقد أنّها محميّةً بجمجمةٍ صلبة؛ لكنّ صلابة هذهِ العظام المحيطة بالعقل لم تكن كافيةً لأن تحفظه من فرطِ التفكير، أحيانًا أن تتعرض لضربةٍ على الرأس تطيب بعد فترة وجيزة .. أفضل بكثير من أن يتعرض عقلك للتهالك تحت وطأة القلق. لماذا ؟ لأسباب كثيرة … وأشدّها في وقتنا هذا ، أنّك لابدّ أن تتركَ أثرًا وتمارسَ حياتك بمثالية عالية ونظام محسوب بالسنتيمترات.

حَياة لا تُشبه الحَياة

أن تفيق كأبطال الأفلام منذ الفجر، تمارس الرياضة لتحافظ على لياقتك في عمر السبعين، تتناول طعامًا خاليًا من الدهون والسكّريات، تصل العمل باكرًا دائمًا، شغوف بعملك هذا، بيئة عمل يحلم بها الجميع! ، فيلا ضخمة وسيارات فارهة، الهدوء دائمًا يعمّ المكان، برغم وجود أطفالك، آه أجل، الأطفال! لا توجد فوضى إطلاقًا.. وكل شيء يسير وفق نظام محدد ومجدول زمنيًا في أجندة مكتوبة منذ بداية العام، لا يوجد إفراط في الوقت، كلّ ثانيةٍ تُمثّل قيراطَ ذَهب!

الحقيقة

الواقع أنك تضع لنفسك هذه الأهداف الضخمة في حينِ أن الإمكانيات ضئيلة بالنظرِ إلى شاهقِ الطموح، لا أقولُ أن تتوقف عن هذا الطموح ، بل أجل .. السعي الحثيث لا يحقق إلا كلّ خير، لكن .. لا يجب أن يكون كل شيء مثاليًا ورائعًا ، لابدّ أن نتصالح مع استحالة أن تكون بيئة العمل رائعة مثلًا ، أو ليس بالضرورة تجبر ذاتك على ممارسة الرياضة كل يوم كما لو أنّها فكرة تطحن دماغك حتى تحققها لتصبح في نطاق الأشخاص المثاليين، أن تقلق بشأن كل شيء لا تستطيع تحقيقه ببساطة لأن ثمّة ظروف تمرّ بها أولى ، العناية بطفل مثلًا … في الأشهر الأولى لرعايتي بطفلي .. كان كلّ تركيزي على تحقيق كلّ سبل الراحة له، حتى لو كانت الشقة أشبه بزلزالٍ حلّ بها …

صحيحٌ أنني كنتُ أشعرُ بالضجرِ حين أبحث عن شيءٍ ما ، وكنتُ أجدُ الصعوبة في ذلك تحت كومة الملابس التي للتوّ أخرجتها من المجففة ولم أستطع ببساطة أن أرتبها مباشرةً كما يجب في الدواليب ، لأن الطفل يبكي، أو لأنه جائع، أو لأنه يريد النوم.. والقائمة طويلة، فكنتُ أجدُ توتري هذا لا فائدة منه سوى صبّ غضبي على أطراف لا شأن لها بما أواجهه ، توقفتُ للحظة، وأيقنتُ أن ثمة حلول كثيرة ومريحة للتنظيف والترتيب، أن تأتي عاملة لمساعدتي مثلًا !

فأنا لا أستطيع فعل كل شيء بمثالية عالية، بل بالامكانيات الموجودة، أعلمُ كم يبدو كلامي يحثّ على التراخي والكسل، بل في الحقيقة هو أقرب للتخفف من أعباءِ ما (يجب) فعله ، فليسَ كلّ أمر في الحياة يجب أن نفعله و إن لم نفعل ذلك سنواجه توترًا وقلقًا مُميتا حتى نتمكن من تحقيقه .

 التحرُّر – Liberosis 

الرّغبة في العيشِ بهدوء وعدم الإكتراث كثيرًا لما يجري، الرّغبة بالعيشِ برشاقةٍ بعيدًا عن الجديّةِ المفرطة.

                                                                                           د.محمد الحاجي

 

خُلاصة

لعلّها مسألة أولويات، ثمّ مسألة وقت ، حتى نتمكّن من مقاربةِ أحلامنا بلا ضغط مستمر أو إلحاح ذاتيّ، وَ دائمًا .. كما يقولون، الاستمتاع في الرّحلة لهوَ أشدّ حلاوةً من الوصول نفسه، الحياة رحلتنا الخاصة .. التي فيها من التقلبات ما فيها، وليستْ بالضرورةِ أنّها خالية من الشوائب .. وكلّ ما نراه الآن في وسائل التواصل الاجتماعي هو المُحَصّلة لتلك التقلبات ، فالجميع لا يريدك أن ترى الجانبَ السيء من حياته، بل يسلط الضوء دائمًا على مثاليته في كلّ شيء، وفي الحقيقةِ باتَ أشبه بداءٍ أشدّ فتكًا من أيّ ڤايروس آخر، ذلك لأنه يؤثر على السلام الداخلي وسلامة العقل بشكلٍ أكبر، أن تضع نفسك دائمًا في مضمار المثالية وتُسابق الجميع في محاولة لمنافستهم حتى ولو كانت إمكانياتك محدودة . 

Leave a Reply

Powered by WordPress.com.

Up ↑

Discover more from منعطَف

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading