تخبّط

كنتُ أبحثُ عن عنوانٍ مناسب لهذا المقال، وأظنّ (التخبط) يلائم ما يحدث حقًا، التخبط في اللغةِ مفردة تحمل عدّة معانٍ؛ منها : (الوقوعُ بلا اهتداء) ، (السّير بعشوائية وفوضى) ، (التمرغ في أمر وعدم القدرة على التخلص منه)… والكثير من المعاني! التي للأسف لربما عشتها، وأيضًا شهدتها وكان ذلك يثير الشفقة في نفسي على كل من اصادفهُ متخبطًا، بل وبسعادةٍ وغرور يستمر في ذلك .

نحن نقترب من الآخرين دون أن نعلم، حتّى نصطدمَ بحقيقتهم التي لطالما جعلوها لامعة وناصعة، جميلة وجذّابة، فنكاد أن نقع في فخِّهم المظلم، الذي يحوي في باطنه على المزيد من المتاهات العميقة التي في نهايتها قد تجعلك تصل إلى السطحِ مجدداً، بعيدًا كل البعدِ عن ظلامهم العاتي، أو تظل حبيسًا في هذه العلاقة السامة التي لا تعلم، كيف ومتى حدث ذلك؟ كيف كنت مغفلاً وتم استدراجك؟ كيف أفصحتَ عن آراءك؟ التي لا تُعَدُّ شيئًا بالنسبة لهم.. وكانَ الأهمّ رأيهم، وكان الصواب دائماً في صفّهم، وكان الذكاء دائما كما يزعمون بحوزتهم، السؤال: كم من الوقت سيتطلب حتى تدرك ذلك؟ وكم من العمر سيمضي وأنت تظن وتظن، وتُحسنُ الظنون أيضًا .. وتصاب عيناك بالعمى أكثر؟ 

في فترةٍ من فترات الحياة، احتجتُ ذاتي أكثر من كلّ شيء، فصِرتُ قريبةً جدًا منها، وعلى سبيل إسعادها؟ كنت أتعلم العزف على آلةِ الجيتار وأيضًا حصلت على شهادة وورش عملٍ في التصوير السينمائي، أملأ أيّامي الهادئة بالقراءة، وأكتبُ كلما شعرت بالاختناق … لا أذكر هذه الممارسات على سبيلِ المفاخرة بها، بلّ لأنها كانت تقرّبني من نفسي أكثر وتُبعدني عن الآخرين، وكم كانَ لذيذًا البعد عن الآخرين، الشّاهد في هذا، أو فلنقل الرابط بين هذا وذاك، أن ثمة من يتبحر في كافّة النّشاطات على جميعِ الأصعدة، الدينية والثقافية والبدنية والعلمية والأدبية، ولا بأس حتى الآن من هذا التبحر، بل جميل للغاية، لكن ؛ كيف صارت هذه المعرفة سلاحًا غريبًا يضع الآخرين تحتَ وطأةٍ ما؟ كأن تستعرض بكافة ما تعرف وكأن الآخرين أغبياءً دائمًا؟ هل يتعلم الإنسان ليعرف..ليقترب من ذاته التي لا تعلم، أم يتعلم ليُباهي ويُحرِج ويضعك دائمًا في موضع الأبله؟ وليس على مستوى ثقافي فقط، بل حتّى دينيًا، يصبح ناسكًا متعبدًا في الليل، فاعلًا للخير، ولابدّ أن يخبر الجميع بذلك! كما لو أنها صورة التقوى البهيّة التي تعطيك الأمان لهذا الانسان لكنّه يعودُ لشخصيته الأخرى.. أن يكون ظالمًا جائر، كيف يحمل المرء عدة وجوه وأشخاص في هيأةٍ واحدة؟ وكيف يُفاخرُ بذلك دائمًا وأنّه على حقّ وصواب؟ كيف يفعل أفعال الخير والشر مجاهرةً؟ حبًّا وكبرياء عظيما لهذه (ألانا) التي تتعاظم في النفس كلما ازدادت دهشة الآخرين حوله، يستمدّ وجوده من شهقات الآخرين المنبهرة، ولا شيء يبهرني حقًا سوى تمكن هولاء الأشخاص من الاستمرار في لعبةِ الأضواء، سيكون جرماً عظيما في حقهم ألا تلتفتَ لهم، ألا تمجّد أفعالهم أو تترك اطراءً معينا في رصيد غرورهم . 

التناقض، (أن لا يكون الحق والباطل معًا) على سبيل المثال لا الحصر، أن يغريك أن هذا الشخص يساعدُ الآخر بما أوتيَ من (خير وحق) لكنّ فيما بعد، سيتجاوز حدّه مع الآخر؛ بما أوتيَ من (شرٍ وباطل)!، كما لو أنّ المساعدة لم تكن مجانيّة وكان ثمنها نفسك، كرامتك و حريّتك المطلقة. سيكون أشبه بالقيدِ حول رقبتك، أنّه يومًا ما صُنعَ جميلًا، لكن لم يعد الجميل جميلا وكلما مرّت الأيام يزداد الأمر قبحًا وتخبطًا. 

تخيل أن هذا كلّه يحدث، لكن المعنيّ بالأمر لا يعلم أنه بهذا السوء، كلّ الذي يدريه أنّهُ (ربنا الأعلى) معاذ الله، فكيف نُخبر هذا التأله أنه ليس إلهًا ؟ ولا يفترض الطاعة، ولسنا مُجبرين على الالتزام باستمرار علاقة ظنناها سليمةً حتى باتت مؤذية؟ كيف نخبره بأنه تمرّغَ بما يكفي في وحل الكبرياء والغرور والتجبّر ولا يستطيع التخلص منه؟ بل ويترك آثاره المتسخة على براءة الآخرين وسذاجتهم … كيف؟ 

Leave a Reply

Powered by WordPress.com.

Up ↑

Discover more from منعطَف

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading