صدّقني، ما يهمّ هو الصورة

في عامّ ٢٠١٠م ، تخرّجتُ من الثانويّة بامتياز، لكن لم تكن النسبة تقارب المئة حتّى أُقبل في كليّة الطب، فكان حينها هذا التخصص الوحيد الذي تُفغر له الأفواه، ثمّ يأتي بعدها التمريض، ثمّ أي تخصص طبيّ آخر، درستُ سنةَ في جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، وبعد السنةِ التحضيرية كان تخصص ادارة الأعمال هو الوحيد المتاح، فكنتُ حينها كمَن ضيّع عامًا من عمره، هذا التفكير المنحط ونظرية القطار الذي يمضي… ولا يصطحب معه الأمنيات والأحلام. 

في عامّ ٢٠١١م ، بالتحديد في منتصف العام الدراسي، صرت أبحث عن أي تخصص آخر / في نطاق الصحّة ليقبلني، كانت المعاهد الصحية أغلبها تَقبل من بداية العام الدراسي، ماعدى معهد المواساة للعلوم التطبيقية، دخلتُ المبنى، كان أشبه بعمارة مهجورة، تفاجأت بوجود موظفة استقبال أصلاً.. سألتها كمن يدخل متجرًا يرى المتاح من بضائعه، ماذا لديكم من تخصصات؟ كلّ المقاعد امتلأت، لكن هناك مقعد وحيد في تخصص مساعد طبيب أسنان – كانت هذه اجابتها، فقلتُ لها حسنًا، هذه أوراقي ، وقدّمتُ لها الملف ، وبقيَ المبلغ المالي للتسجيل، فأخبرتُها أنني سأعود غدًا بالمال. 

خرجتُ من المعهد متجهةً إلى سيارةِ أبي الذي كان بانتظاري، سألني ماذا حدث؟ قلتُ له نفذت كل المقاعد في صفوف التمريض والمختبرات، ظلّ مقعد واحد في تخصص مساعد طبيب أسنان.. سألني، وما هو هذا التخصص؟ أخبرته لا أعلم .. ظلّ حائرًا، لكن ظل صامتًا في آن واحد، كان يعلم حجم الضياع الذي كنت تائهةً بداخله ، بعدَ مضيّ ربع ساعة تقريبًا، اتصل لأخي الأكبر وسأله ماهو تخصص مساعد طبيب أسنان؟ فأجابه بعدم المعرفةِ أيضًا .. يا للروعة .

لم أكُن واعيةً حينها ، أو حتّى مُهتمة لمعرفة طبيعة العمل، في النهاية سوف أرتدي معطفًا وأعمل في مشفى ، كأي شخص رائع وناجح ، كانت هذه الصورة المثالية للنجاح حينها، صدّقني، ما يهم هو الصورة حقًا . 

كانتِ الدراسة دبلوم، فالتخصص لا يحتمل أكثر من كونه دبلومًا، كلّ المواد كانت بالنسبة لي سهلة، تخرجتُ بعد عامين بمعدل ممتاز ، توفيَ أبي قبل أن أتخرج بعامّ .. فكانت فرحة النجاح مليئة بالغصّة والدموع، ولكن، لحسن الحظّ أنّه لم يعرف حجم المعاناة التي أعانيها الآن وراء اختيار هذا التخصص … 

مع فائق احترامي لجميع موظفيّ هذه المهنة، لكنّها لا تعجبني، كلّ ما في الأمر أننا نساعد الطبيب في الحصول على ما يحتاجه من أدوات لعلاج المرضى دون أن يلمس الأسطح المُطهرة بيديه الملوثتين بالدّم واللعاب … فحفاظًا على نظافة المكان وعدم انتقال  العدوى وُجِدَ هذا التخصص ، كلّ ما في الأمر أننا نُطهر المكان ونُناوّل الطبيب ما يريد . 

بعدَ مضيّ فلنقل ، ستّ سنوات من ممارستي لهذه المهنة، عادت مشاعر الضياع التي كان يَحذر أن يفتحَ جراحها والدي آنذاك، وبدأت أشعر بالقرف الشديد مما أنا فيه، لربما هي مُشكلةٌ أعانيها أنا وحدي، فبقية الموظفين من نفس تخصصي يعيشونَ أيامهم باستقرار وثبات روتينيّ ، كنت ولازلت حتى هذه اللحظة ، أي بعد مضي ثمان سنوات ، لا أجدُ نفسي في تخصصٍ دخلته لأنه الوحيد المُتاح ، لا يشبهني، ولا يُحقق شيئًا من ذاتي . 

عندما أواجه سؤال : لو عاد بي الزمن ماذا سأغيّر؟ كانت اجابتي دائمًا هي تخصصي، فتخيّل أنّك يوميًا تصحى صباحًا لتعمل شيئًا تمقته، بل أنت مُرغمٌ عليه بإرادتك ، ولا شيء قد يُغيّر الواقع عدى أن تخرج من ثباتك المزري نحو مغامرة أخرى، مغامرةٌ تُرضيك وتُشبهك ، مُغامرة تُحقّق فيها كلّ ما يكبلك في دائرة التطهير والتنظيف ومكافحة العدوى في عيادات الأسنان، مُغامرةٌ أستطيع بها أن أخبرَ أبي حين ألقاه .. أنّني تفوّقتُ على حيرةِ ذاتي، واستطعتُ معرفةَ ما أريد، ودرستُ بعد سنوات عجاف شيئًا يضيء روحي، فكلُّ الذي أمرّ به الآن .. هو انطفاءٌ وتضاءلٌ وتعبٌ شديد وحبوب مضادّة للاكتئاب أحارب بها تعاسة هذا الواقع، ولا تهمّ الآن الصورة ، لا يهمّ المعطف الأبيض ولا المستشفى .. يهمنّي أنا .

2 thoughts on “صدّقني، ما يهمّ هو الصورة

Add yours

  1. لم يفت الأوان يازهراء عندك جميع الاسباب للبحث عن جديد ينعش روحك ، وكل السبل ستهون في سبيل البحث عن نفسك ، في الدراسه لايوجد وقت متأخر بالعكس في وقتنا هذا مااعظم الفرص المتوفرة للبدأ ولو من الصفر ،، ابحثي عن شي تحبيه وانتي في وظيفتك وادرسي وتعلمي بشغف والوظيفه بتدعمك ماديا ،، من مجرب موصعب 💪🏼

  2. هذه الرحلة، رحلةُ البحثِ عن الذات، بمشاقها و مصاعبها ومطباتها، هي أجمل رحلةٍ يسلكها الفرد منا في حياته، سيحدثُ يوماً، أن تتحول كل لحظة ألمٍ إلى ذكرى تزرع ابتسامةً بلا موعد، ابتسامة رضاً أن كُنا يوماً نواجه ما يمنحنا الزمن من مواجهات، من أجل ذاتنا

Leave a Reply

Powered by WordPress.com.

Up ↑

Discover more from منعطَف

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading