كنتُ أتحدثُ مع زوجي عن حجمِ معاناتي في التركيز في أي شيء يبدو تافهًا، كالتركيز مع متحدّث مثلًا، وكم أستصعب تداول الحديث مع أي أحد لمدة تزيد عن عشر دقائق! يغيب ذهني أغلب الوقت دون فائدةٍ مرجوّة منّي فأبدو كمن كان يمضي في الحوار كيفما اتفق، دون اهتمام بالغ مني.. كم من المرات أقع في فراغ عدم الفهم الغائم جدًا فأطلبُ من المتحدث تكرار كلامه بملامح بلهاء و فاقدة للتركيز تمامًا.
لكن … كيف يمكنني أن أشرح لكل فرد أصادفه في أيامي المزدحمة دائمًا بالوجوه الكثيرة والأفواه التي لا تسكت بأنّ ما أمر به لا إراديّ وخارج نطاق تحكمي ولستُ أقصد تجاهل أحد لكن هكذا تبدو الصورة في الخارج فأقعُ في دوامة التبرير كما لو أنّه خطأ متعمد؟
كيف أشرح للجميع أن متابعة فيلم وقراءةَ كتاب مثلا هي أصبحت أعمال شاقة بالنسبة لي بعد أن كانت متنفس ، أُفق أو فلنقل أسلوب حياة كنتُ أعتمده كثيرًا في جذب عنصر الالهام وتغذية البصر والفكر والمفردات اللغوية الواسعة ؟
كم مرةٍ بدأتُ بمتابعة فيلم وأطفأته بعد مرور فترة بسيطة ذلك أن هاتفي بدأ يُظهر إشعارات من هنا وهناك وصرت أنظر إليه كلما أضاء فتمر الأحداث في الفيلم مرور الكرام دون أن أعيرها انتباهًا مطلقًا … أنا أعرفُ السبب وراء هذا كله، أو فلنقل أنني استنتجته ولربما يكون استنتاجًا ليس صحيحًا في أغلبه، لكن هذا ما يبدو لي حقًا، أعرف تمامًا كم سأبدو غريبة أطوار في طلبي الذي طلبته من زوجي وقراري الذي قررته بأنني من الآن فصاعدًا إن كان ثمة من يريد التواصل معي يتصل على الهاتف، لابد أن نشتري هاتفًا أرضيًا برقم ثابت.. أريد أن أعيش حقبةَ الأعوام السابقة.
أجابني بتهكم أنني أبعد شخص يحب التواصل الصوتي ودائمًا ما أعتمد في تواصلي مع الآخرين بالرسائل، فأجبته أنني متأكدة أن ما أوصلني لحالة الشرود المستمر هو الهاتف الذكي الذي جعلنا أغبياء في آخر الأمر ، أريد التخلص منه كما لو أنه وباء، سأرتدي ساعة يدٍ لأعرف الوقت فلا داعي أن أعتمد النظر إلى هاتفي لأعرف ذلك ثم يجرّني بعدها سيلٌ من الاشعارات التي لا طائل منها.
بداية اليوم تبدأ بمنبّه الهاتف الذي بعد أن تُخرِسه للمرة المليون تستيقظ بنصف عين وتنظر لساعة الهاتف ثم تلقي نظرة على كمية الاشعارات التي أضاءت ليلًا دون لقاء عينيك فها أنت ذا تفي بالوعد الذي قطعته على نفسك بلا وعي تفتح واحدًا تلو الآخر، تنظر للأخبار الدموية – على الريق – ، تشحن نفسك بغضبٍ ما وكمد طويل ، ثمّ تنتقل لرسالة المرور التي تيقظك حقًا وتخبرك بتجاوز السرعة وعليك دفع مبلغ ما – كمية من التوتر العالي لصباح سعيد!- ، ثم تنتقل لهذا وتلك ممن يملأون رأسك بالفيديوهات القصيرة التي تكتشف فيما بعد أنّها ليست إلا أفكار سريعة تتبخر بعد مضي دقيقتين وقد أوجعت رأسك المشحون بالكثير أصلًا ، فتبدأ باللعن على هذا وذاك كما لو أنهم لصوص قد سرقوا الوقت وتظل حانق ومنصدم من مضي هذا الوقت كله مما تسبب في تأخرك عن العمل، وتسرع مجددًا في الشارع لحاقًا بالوقت المسروق فترصد سرعتك كاميرات الشارع وتبتلع مخالفة أخرى على مضض، وهذا باختصار روتين حياتك.
جميعنا يعرف مساوئ المقاطع القصيرة التي يتداولها الجميع في جميع المنصات بأنها تعطينا خلاصةً ما من المعرفة فنبدو متبحرين في كل شيء بينما في الواقع نحن نكدس الكثير مما لا تطيقه وتحتاجه عقولنا ثم تصبح – هذه المعلومات – هباءً بعد دقيقتين ، ولا نفهم حينها عدم تحملنا لإكمال معرفة معلومة بشكلها الواسع والمتقن من كل جانب ، من خلال كتاب أو فيلم وثائقي مثلا ، من خلال ورشة جماعية أو حتى حوار طويل وعميق مع شريكك في الحياة، ذلك لأننا أدمنّا معرفة الشيء بسهولةٍ ويُسر! .. نحنُ فقدنا القدرة على الاستماع والتحدث، وصرنا نعتمد على تواصلنا أيضًا بمراسلة هذه المقاطع حتى وإن كنا جنبًا إلى جنب .
أين ذهبت المتعة التي كنا نقضيها أمام التلفزيون مع العائلة؟ مشاهدة الأحداث (معًا)، الضحك (معًا)، البكاء (معًا)، التأثر بكل أنواعه معاً! كلٌّ منا متقوقع الآن بمفرده ويرى ما يراه وحيدًا لكن بحضور الجميع، مع الآخرين وليس معهم، يجمع الخلاصات والنفايات من وسائل التواصل الـ لا اجتماعية في ذاكرته ، ثم ينهار من فرط المعلومات بعقل ضبابيّ للغاية.
هل أبالغ ؟ لا أعلم .. لكن زيادة الشيء كنقصانهِ دائمًا ….