
هذه المرّة الأولى التي أقرأ فيها (سيرةَ شخصية)، وكذلك هي المرّة الأولى التي أقرأ فيها للكاتب ستيفان سفايغ، قبل البدء بتفاصيل الكتاب.. يبدو أني سأبدأ باقتناء المزيد من إصدارات ستيفان، لكن غالبًا ما ستكون رواية وليست سيرة شخصية،اكتشفتُ أنّي لا أميل كثيرًا لهذا النوع من الكتب و محاولة الحضور في تاريخ شخصيةٍ ما؛ أسلوب الكاتب مميز للحد الذي بدّد شعور الملل في قراءة هذه السيرة ، اختار الكاتب شخصية ليو تولستوي للكتابة عنها.. في أحدَ عشر فصلاً تمّت فهرسة حياة تولستوي، الفنّان والمبدع ،المفكّر والمتدين، الملحد أحيانًا والانسان، الكتاب برغم صفحاته القليلة وجدته متشعب للغاية ولكن بصورةٍ مُحكمة ، بل تحت كل عنوان تجد تمامًا ما رصده سفايغ عن حياة تولستوي (أعظم روائيي القرن التاسع عشر).
صوّرَ (سفايغ) مدى تأرجح حياة تولستوي بين الفنان المبدع والمفكّر الحاذق وبين الانسان الذي يبحث عن الله ويرتاب الموت، حتى أنّه يذكر دائمًا حدّة عينيه في فهم صور الحياة المختلفة بنظرةٍ أشد عمقًا وفهما للأمور، وكم كان يؤلمه في الجانب الآخر.. أنّه إنسان يحتاج عزلته وانقطاعه في كوخٍ ما ولا يريد كلّ هذا المجد الذي يحيط به من كلّ جانب، يخنقه حينًا وحينًا يشعر بالزهوّ به، يعترف أنّ مشاعر الكبرياء التي يشعر بها في عظمته وقوته وذكائه من الشيطان.. فيهرب من نفسه كارهًا ذاته هذه باحثًا عن (جنيّه الأخلاقي) كما يصفه سفايغ… (إن السيرَ المنتظم للإنضاج الفنيّ لا يتعرقل أبدًا بدراسة الأنا النقدية.. والحارس القاسي، المتيقظ أبدًا، المنتصب في جبروت أمام الشخصية الأخلاقية، يبتعد وهو يغفو، تاركًا للفنان حريّة حركاته، موّفرًا له انطلاق حواسه التام… وتأتيه الشهرة في تلك السنوات، فيضاعف ثروته أربع مرات، ويربّي أولاده وينشئهم، ويزيد في اتساع بيته. ولكنّ الاكتفاء بالسعادة، والاغتذاء بالمجد، والشبع بالخيرات، جميعها أمور يستحيل استمرارها بالنسبة إلى هذا (الجنيّ الاخلاقي) فهو يعود في كلّ مرّة كل خلق شخصية أدبية، إلى عمله الأساسي، إلى إنضاجِ كماله الخاص….)
مرّ تولستوي بقلقٍ طويل بعد خمسين عامًا من عمره، كانت ترعبه فكرة الموت دائمًا دون الوصول إلى حقيقةٍ ثابتة تجعل عقله يهدأ، وكلّما تقدم في العمر صار يزعجه حضور الناس الدائم في حياته، ففنان كــ تولستوي، محاطٌ باستمرار بالصحفيين والكتاب والمعجبين .. كانوا كالحائط المتين بينه وبين نفسه التي تبحث باستمرار ولا تكلّ عن الوصول عن معنى، فيقول سفايغ ببراعةٍ يصف فيها هذا العملاق : (هذا الكائن الذي لم يُروَّض قط، والذي يُمزّقه الرعب الآن ويُذيبه الخوف في قلبِ الحياة، وهو في منتصف الطريق بعد، يرتمي بكلّ تواضع، على حينِ غرةٍ أمام الله، ويخلع عنه في ازدراءٍ علمه الدنس الذي أسعده دون حساب طوال خمسين عامًا، ويروح يترجّى، جامحًا، انبثاق إيمان في باطنه : “أعطنيه يا رب، واسمح لي أن أساعد الآخرين في العثور عليه” !)
” ليسَ الكمال الأخلاقيّ الذي يبلغهُ المرء ما يهمّنا، بل الطريقةِ التي يبلغه بها..“
ــــ ليو تولستوي
إنّ إنسانًا نبيلًا وفنانًا مبدعًا هي الصورة الأسمى للانسان برأيي، وهذا السمّو وجدتهُ في تفاصيل حياة تولستوي – التي نالت منها الهفوات بلا شك – لكن المُجمل، أن تولستوي كانت فكرة الموت نصب عينيه دائمًا ، في قلقٍ وارتياب.. ذلك الذي دعاه ربما للنظرِ في كلّ أفعالهِ قبل الاقبال عليها ، والتأني في أقواله بل ربما الصمت عوضًا عنها، فكان يجد (كل أزمةٍ هي هدية من القدر إلى الانسان… وهكذا يتحقق أخيرًا في موقف تولستوي الروحي من الكون وفلسفته، تمامًا مثلما حدث في فنّه، توازن جديد أكثر ارتفاعًا وسمواً … إن المتناقضات تتداخل، والنزاع الرهيب بين الرغبة في الحياة ونقيضها المفجع، يُفسح المكان لتفاهمٍ حكيم متوافق…) .
إن أثرَ الفنّان يبقى بل وينتقل عبر الأزمنة .. فكيف بالفنان المُفكّر؟ لا أخفيكم رغبتي الشديدة بشراء روايات تولستوي والبدء بالابحار في الشخصياتِ التي خلقها بفلسفته الفكرية وفنّه المبدع في آن واحد.







