قِراءة لــ تولستوي

يجب أن يكون المرء أكثرَ وحدةٍ مع نفسه ومع الله، وألا يلعب بسرة الكون. يجب أن يبعد عنه كل ما يدفعه إلى الاضطراب والشرود، كل مايدفعه إلى التكبر والغرور والانسياق وراء المجد الزائف وعدم الاخلاص. يُفضّل أن أرمي بكل هذه الأشياء في المدفأة، كيلا أبعثر نفسي وأُدخِلَ إليها خطيئةَ الكبرياء ـــ ليو تولستوي

 

هذه المرّة الأولى التي أقرأ فيها (سيرةَ شخصية)، وكذلك هي المرّة الأولى التي أقرأ فيها للكاتب ستيفان سفايغ، قبل البدء بتفاصيل الكتاب.. يبدو أني سأبدأ باقتناء المزيد من إصدارات ستيفان، لكن غالبًا ما ستكون رواية وليست سيرة شخصية،اكتشفتُ أنّي لا أميل كثيرًا لهذا النوع من الكتب و محاولة الحضور في تاريخ شخصيةٍ ما؛ أسلوب الكاتب مميز للحد الذي بدّد شعور الملل في قراءة هذه السيرة ، اختار الكاتب شخصية ليو تولستوي للكتابة عنها.. في أحدَ عشر فصلاً تمّت فهرسة حياة تولستوي، الفنّان والمبدع ،المفكّر والمتدين، الملحد أحيانًا والانسان، الكتاب برغم صفحاته القليلة وجدته متشعب للغاية ولكن بصورةٍ مُحكمة ، بل تحت كل عنوان تجد تمامًا ما رصده سفايغ عن حياة تولستوي (أعظم روائيي القرن التاسع عشر).

صوّرَ (سفايغ) مدى تأرجح حياة تولستوي بين الفنان المبدع والمفكّر الحاذق وبين الانسان الذي يبحث عن الله ويرتاب الموت، حتى أنّه يذكر دائمًا حدّة عينيه في فهم صور الحياة المختلفة بنظرةٍ أشد عمقًا وفهما للأمور، وكم كان يؤلمه في الجانب الآخر.. أنّه إنسان يحتاج عزلته وانقطاعه في كوخٍ ما ولا يريد كلّ هذا المجد الذي يحيط به من كلّ جانب، يخنقه حينًا وحينًا يشعر بالزهوّ به، يعترف أنّ مشاعر الكبرياء التي يشعر بها في عظمته وقوته  وذكائه من الشيطان.. فيهرب من نفسه كارهًا ذاته هذه باحثًا عن (جنيّه الأخلاقي) كما يصفه سفايغ… (إن السيرَ المنتظم للإنضاج الفنيّ لا يتعرقل أبدًا بدراسة الأنا النقدية.. والحارس القاسي، المتيقظ أبدًا، المنتصب في جبروت أمام الشخصية الأخلاقية، يبتعد وهو يغفو، تاركًا للفنان حريّة حركاته، موّفرًا له انطلاق حواسه التام… وتأتيه الشهرة في تلك السنوات، فيضاعف ثروته أربع مرات، ويربّي أولاده وينشئهم، ويزيد في اتساع بيته. ولكنّ الاكتفاء بالسعادة، والاغتذاء بالمجد، والشبع بالخيرات، جميعها أمور يستحيل استمرارها بالنسبة إلى هذا (الجنيّ الاخلاقي) فهو يعود في كلّ مرّة كل خلق شخصية أدبية، إلى عمله الأساسي، إلى إنضاجِ كماله الخاص….)

مرّ تولستوي بقلقٍ طويل بعد خمسين عامًا من عمره، كانت ترعبه فكرة الموت دائمًا دون الوصول إلى حقيقةٍ ثابتة تجعل عقله يهدأ، وكلّما تقدم في العمر صار يزعجه حضور الناس الدائم في حياته، ففنان كــ تولستوي، محاطٌ باستمرار بالصحفيين والكتاب والمعجبين .. كانوا كالحائط المتين بينه وبين نفسه التي تبحث باستمرار ولا تكلّ عن الوصول عن معنى، فيقول سفايغ ببراعةٍ يصف فيها هذا العملاق : (هذا الكائن الذي لم يُروَّض قط، والذي يُمزّقه الرعب الآن ويُذيبه الخوف في قلبِ الحياة، وهو في منتصف الطريق بعد، يرتمي بكلّ تواضع، على حينِ غرةٍ أمام الله، ويخلع عنه في ازدراءٍ علمه الدنس الذي أسعده دون حساب طوال خمسين عامًا، ويروح يترجّى، جامحًا، انبثاق إيمان في باطنه : “أعطنيه يا رب، واسمح لي أن أساعد الآخرين في العثور عليه” !)

ليسَ الكمال الأخلاقيّ الذي يبلغهُ المرء ما يهمّنا، بل الطريقةِ التي يبلغه بها..

ــــ ليو تولستوي

إنّ إنسانًا نبيلًا وفنانًا مبدعًا هي الصورة الأسمى للانسان برأيي، وهذا السمّو وجدتهُ في تفاصيل حياة تولستوي – التي نالت منها الهفوات بلا شك – لكن المُجمل، أن تولستوي كانت فكرة الموت نصب عينيه دائمًا ، في قلقٍ وارتياب.. ذلك الذي دعاه ربما للنظرِ في كلّ أفعالهِ قبل الاقبال عليها ، والتأني في أقواله بل ربما الصمت عوضًا عنها، فكان يجد (كل أزمةٍ هي هدية من القدر إلى الانسان… وهكذا يتحقق أخيرًا في موقف تولستوي الروحي من الكون وفلسفته، تمامًا مثلما حدث في فنّه، توازن جديد أكثر ارتفاعًا وسمواً … إن المتناقضات تتداخل، والنزاع الرهيب بين الرغبة في الحياة ونقيضها المفجع، يُفسح المكان لتفاهمٍ حكيم متوافق…) .

إن أثرَ الفنّان يبقى بل وينتقل عبر الأزمنة .. فكيف بالفنان المُفكّر؟ لا أخفيكم رغبتي الشديدة بشراء روايات تولستوي والبدء بالابحار في الشخصياتِ التي خلقها بفلسفته الفكرية وفنّه المبدع في آن واحد.

قراءة لـ أمّة الدوبامين

بسبب الاكتئاب والقلق، من بين العديد من الأشياء التي تحدثنا عنها، أخبرتني أنها تقضي معظم ساعات استيقاظها متصلة بوسائل التواصل الاجتماعي، كاليوتيوب والانستغرام والاستماع إلى البودكاست وقوائم التشغيل. في جلسة معها اقترحت عليها أن تحاول المشيّ دون الاستماع إلى أي شيء وترك أفكارها تطفو على السطح ـــ آنا ليمبيكي.

 

دعونا نعترف أننا في زمنِ ملاحقة التوازن، وأنّ العالم كله، من شرقهِ إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه يتداعى… لستُ سلبيةً إطلاقًا، بل كلّ من يعرفني لطالما يبدأ بإطراء تماسكي وتفاؤلي المستمرّ، لكن.. أنا أشعر بعدم التوازن وكتاب (أمة الدوبامين) للكاتبة والطبيبة (آنا ليمبيكي) ساعدني في فهم ذاتي التي تُفرط في فعلٍ ما بحثًا عن روعة الدوبامين وهو يملأ خلاياي العصبية ويهدّئ من سعيي للتوازن المزعوم. صحيحٌ أنّ ٧٠٪ تقريبًا من الحالات التي رصدتها الطبيبة النفسية في كتابها كان افراطهم في شربِ الكحول وتعاطي المخدرات سعيًا لشعورٍ مَا وذلك ما لا يتناسب مع مجتمعنا، لكن فكرة الإدمان تمتدّ أيضًا للافراط في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي والتعرّض للكثير من المعلومات والتفاعل المستمر في هذا العالم اللاواقعي تجنبًا للعالم الحقيقي ومايحمله من ألم أو ملل، الافراط في التسوّق الالكتروني والحصول على كل شيء بضغطة زر، الافراط في التباهي بالممتلكات كما لو أنّها الصورة العميقة للذات بينما كلّ ما يُلبس ويؤكل ويتم التباهي به بشكلٍ مفرط لهي سطحيةٍ تجرّ أصحابها في دوامة الحصول على كلّ ما هو باهظ وثمين لسدّ النقص والحاجة للشعور بالوجود (أنا أملِك إذًا أنا موجود)، هي جملة هذا العصر التافه .

أسهمتْ وسائل التواصل الاجتماعيّ في مشكلة الذات الزائفة، فقد سهّلت  الأمر علينا،وشجعتنا على نظم وتنسيق رواياتٍ عن حياتنا البعيدة عن الواقع. ـــ آنا ليبمبيكي 

وبغض النظر عن أننا انغمسنا بإفراط في هذا العالم الماديّ، أصبحنا لا نحتمل البقاء دونه، فهو العالم الذي يُشعرنا دائمًا بالسعادةِ والتحفيز، لقد نسينا شعور الملل الذي يمكنه في نهاية المطاف يجعلنا نُفكّر، ونصبر على تكوين فكرةٍ ما وإخراجها بشكلٍ مبدع أو يُقارب الابداع على الاقل… أصبحنا متفرجون وأدمغتنا تعفنت حرفيًا تحت وطأة المعلومات الكثيرة والسطحية لأنها – تلك المعلومات – تمنحنا شعورًا خفيًا بالخَدَر واللذة، ولكن لها تأثيرها المرعب على المراهقين بشكل خاص وبعض البالغين ما يجعل أفكارهم تقترب من الاكتئاب المستمر،فأصبحت فكرة النجاح ليسَ ما يُحصد بجهد صاحبها.. أصبحَ نجاح هذا العصر أن تحصل على حياة مرفهة ، (كيف يزيد رصيد حسابي البنكي٫ هل أظهر بمقطعٍ عابر قد يمتطي موجة (الترند) وأصبح مشهورًا ومن ثم ثريًا؟) كل هذه الافكار سمعتها ولمستها من مجتمعي القريب .. أليس من التفاهة أن تسمع فكرة كهذه حصولًا على المال؟

تدفعنا وسائل التواصل الاجتماعي إلى الميل نحو الشعور بالعار من الذات، من خلال دعوة الكثير من التمايز البغيض إلى حياتنا اليومية. نحنُ الآن نُقارن أنفسنا ليس فقط بزملائنا في الفصل، وجيراننا، وزملائنا في العمل، بل نقارن أنفسنا بالعالم بأسره، مما يجعل من السهل جدًا إقناع أنفسنا بأنه كان علينا فعل المزيد، أو الحصول على المزيد، أو العيش بشكلٍ مختلف. ـــ آنا ليمبيكي

هذا وجه من الوجوه الكثيرة للافراط في فعلٍ ما أو فلنقل (الإدمان) للحصول على لذة قصيرة الأمد، كيف يمكننا أن ننجو من الانغماس المفرط والغير صحّي فيما نتخذه مسكنًا لمواجهة الحياة الحقيقية ؟ كيف نحقق التوازن الذي نُريد ؟ كلها أسئلة قد تجد إجاباتها في هذا الكتاب ، أنصح بقراءته.. كان ممتعًا بحق. 

The Devil Wears Prada (2) (Movie)

 

 

 

؛

منذ  وقتٍ طويل لم أرى فيلمًا مناسبًا بشكلّ كليّ للعائلة ، المحتوى فلنقل خالٍ من شوائبَ كثيرة ، بالطبع شاهدت الجزء الأول لأكثر من مرّة وأعتقد سأكرر هذا للجزء الثاني. نادرًا ما أصبحتْ الأفلام تمنحك شعورًا إيجابيًا ملموسًا تجاه شيء لذا أنا سعيدة أنني حظيت بوقت ممتع في مشاهدته بالإضافة إلى أثره اللطيف في ذاكرتي .

قرأتُ انتقادات كثيرة طالت الفيلم ، لكن لم تغيّر وجهة نظري تجاهه.. وجدتُ السيناريو مترابط حتى في اختيارهم لمواقع التصوير – خصوصًا في ميلانو وارتباط أحد المشاهد بلوحة العشاء الأخير – أو ذلك بحسب تحليلي البسيط للمشهد من جانب فنيّ ، التصوير ، الموسيقى ، الحبكة .. كلها جذابة وقد تلمس فيها روح الفنّ المرسوم بعناية في الأزياء الراقية .

 

الفيلم باختصار ؟ نابض بالحياة… ثمّة انتصارات صغيرة ولطيفة باتت لا تُذكر الآن أو لا تحظى باهتمامٍ بالغ، كأن يتم قراءة منشورٍ طويل لكاتب والاحتفاء به، هذا ما كانت (آندي) قد حققته كونها كاتبة وصحفية في زمنٍ يضع الذكاء الصناعي في المقدمة في كلّ شيء.. فتخيّل أنّ يتمّ الاستعانة بها لتكتب مقالًا مثيرًا للاهتمام لإنقاذ الشركة بأكملها! فكرة أن للكلمة هذا الأثر ؟ خلّابة جدًا .. وفكرة أن يتم تسريح عدد من الصفحيين مُحبطة للغاية ؛ كون الكتابة يمكن الاستعانة بها بشكل آليٍّ وبارد في منصات مختلفة كـ chatgpt.

أفتقدُ أفلامَ بداية الألفية كونها تعلق بتفاصيلها في الذاكرة أكثر من أفلام اليوم ذات الشعور المؤقت، ووجدتُ شيئًا منها في هذا الفيلم فــ .. مشاهدة ممتعة!

In a world where everyone shouts and complains and whines and screws up and tries to cover up… there’s you. There’s always been you. ـــ Miranda Priestly , The Devil Wears Prada II.

( في عالمٍ يصرخُ فيه الجميع ويتذمرون ويشتكون ويرتكبون الأخطاء ويحاولون التستر عليها … أنتَ هنا. لطالما كنت أنت هنا.) ، أشدّ الاقتباسات التي شعرت بعمقها خلال مشاهدتي للفيلم، كم من العلاقات التي ظننا أنها وطيدة تداعتْ بصمت وهدوء؟ وكم من العلاقات التي مرّت بخريفها وشتائها ولازالت تزهر في الربيع؟ وتجني ثمارًا في الصيف؟ 

 

 

 

 .اللحن أعلاه من الموسيقى التصويرية للفيلم *

 

قراءَة لـ مكتبة منتصف الليل

كانت لديّ كل الفرص لاستغلال حياتي، ولكنّي أضعتها. بسبب إهمالي وسوء حظي، لقد انسحب العالم مني، ولذلك فإنه من المنطقي أن أنسحب منه الآن  ـــ مات هيغ

يصف الكاتب (مات هيغ) شكلَ الحياة حين تملأها مشاعرَ الندم والحيرة، أكثر شيءٍ قد يواجه البشر اليوم هو عدم معرفتهم تمام المعرفةِ بماذا يريدون حقًا ؟ وهل لابدّ من  بناء استراتيجية معينة لتحفظ الانسان من تيّار الرغبات الكثيرة ؟ 

” إنْ تَقَدّمَ أحدنا بثقة ” كتبَ ثورو في كتابه والدِن “باتجاه أحلامه، ليعيشَ الحياة التي تخيّلها، سيلتقي بنجاحٍ غيرَ متوقع في ساعاتٍ عاديّة.” يعتقد ثورو أيضًا أنّ النجاحَ هو نتيجة للعزلة. “لم أعثر على رفيقٍ أستطيع تحمله أكثر من العزلة” . ـــ مات هيغ

كان ذلك أكثر اقتباس تقاطع مع أفكاري ، وأيضًا ، يتقاطع مع مفترقِ طريق تحقيق الذات و المضيّ نحو ما نحلم به حقًا أم ما ننجزه وفقًا للمعطيات والروتين والمجتمع  والصورة التي يبنيها الجميع لك وأنت تقف بعيدًا تتفرج على صورتك يرسمها الجميع ولا تقارب شيئًا من ملامحك.  

فكرة الرّواية رائعة ، أقرب لأن تكون خيالًا علميا، تخيّل أن تختارَ كتابًا ما وتبدأ قراءته وتجد نفسك تعيش تلك الحياة بين دفتيّه؟ خصوصًا أنّ (نورا) البطلة قد لازمها النّدم طيلة حياتها لأمور كثيرة مختلفة… وآن الأوان الآن ؛ لتجربة تلك الحيوات كلها لتزيح ثقل النّدم المستمر تجاه الأشخاص أو الوظيفة أو الأحلام ؟

اخترتُ الرواية للأمانة بناءً على اسم المترجم (أ.محمد الضبع) وسُعدتُ كثيرًا في الغرقِ في لغتها العميقة ، فأحيانًا بعض الكتب المترجمة لا تصل إلينا مشاعرَ الكاتب الحقيقية تماماً فتكون كلّ المشاهد جامدةً بفضل المترجم، والعكس تمامًا في قراءتي لترجمة (الضبع) فالمشاعر عميقة وجارفة أحيانًا .

تحدث الرواية في في المدة الزمنية ما بين منتصف الليل حتى الدقيقة الثالثة بعد منتصف الليل وأجزاء من الثانية .. إنها مدة قصيرة جدًا لكنها كفيلة بأن تجعلك تعيش تفاصيلَ لا تتخيلها … 

من السّهلِ تصوّر أنفسنا من خلال عدسات الآخرين، وتمنّي التحول إلى كلّ النسخِ المتغيرة التي أرادها لنا الآخرون. من السّهل الشعور بالنّدم، والاستمرار في ذلك، إلى ما لا نهاية ، حتّى يفرغ الوقت. ـــ مات هيغ

شهر رمضان أم شهر الزّينة؟

في السنوات الأخيرة، صارتِ المبالغة لإحياء حدثٍ ما تتصاعد تدريجيًا حتى طالتْ المناسبات الدينية، وأجدُ في هذه الأوقات المُقبلة على شهرِ رمضان المبارك أن الإنسان يختار القشور عوضًا عن جوهر الشهر، وفي مجمل الحياة، أصبحنا نختار البهرجةِ وتوثيقها بالصور وعرضها للجميع لنثبت أننا معهم فيما هو رائج ، الذي بدأ يصبح أكثر من كونه شيئاً رائجًا بل شيئًا ثابتًا لابدّ أن يحدث سنويًا، مثل الإعداد لشهر رمضان الكريم بدءًا بزينة الحائط وانتهاءًا بالديكور الخاص بطاولة المائدة ناهيك عن اختيار أزياء معينة لليالي (الغبقات) ، هل هذا هو الإعداد الحقيقي والمناسب لاستقبال شهر القرآن؟

لماذا أصبح المجتمع مهووسًا بالمنظر دون الوصول إلى المعنى ؟ أنا أعترف أن المناظر جميلة و(الجوّ) الرمضاني يطغى في كلّ مكان لكنها في نهاية الأمر كلها قشور … دائمًا يظهر في ذاكرتي صور شهر الله عندما كنت طفلة، وتغمرني السعادة عند سماع صوت الجرس يتزامن مع وقت أذان المغرب، إنهم الجيران. الآن كبرت وصرتُ أعرف أنّ يمكن لمشاعر المحبة أن تكون على هيأةِ طبق طعام، أفتقد مشاعر الألفة والتراحم هذه.. وكيف يمكن لمجتمع صغيرٍ أو حيًّ من الأحياء أن يكون بهذا التلاحم الذي لا تخشى فيه على طفلك من تبِعاتِ (الشارع)، كيف كان شهر الله يثير معاني الرحمة والترابط والعطف والإيثار؟ أما الآن ؟ ماذا حدث؟ قبل أشهرٍ قليلة ولازدحام المواقف.. نضطر إلى ركن المركبة (بالقرب) من منزل أحد الجيران الذي في آخر الأمر أبلغنا أنه سيرفع بلاغًا للشرطة لأننا أوقفنا السيارة في المساحة المواجهة لمنزله! وأن هذه مساحته الخاصة! فأصبحنا نركن السيارة في جهة بعيدة بعض الشيء دون التعرض لهذا النوع من المحادثات … 

إن هذا النّوع من الابتلاء يذكرك أنّنا أصبحنا مجتمعًا سطحيًا و أنانيًا للغاية، و نريد أن نخبر الجميع أننا نهتم بشهر الله بوضع عدد من الفوانيس وتعليق أشكالًا لامعة من النجوم والأهلّة وداخلنا منطفيء تمامًا فلا نجمة تحط على الأفئدة ولا حتى هلال .

كيف يهذبنا الشهر ؟ كلٌّ لابدّ أن يبحث عن طريقته الخاصة ، لكن ، وبصراحةٍ مطلقة.. لم أكن ألتفتُ لهذا مسبقًا، الآن دوري كأم .. أن أجعل طفلَيّ يشعران باختلاف شهر الله عن باقي الشهور بسمات الشهر نفسه، (شهر الصيام، شهر المغفرة والرحمة، التكافل والكرم، تطهير النفس) وأنّ النفس مجرّدة من مادية ما يحدث، وأبعاد الشهر تحفظ الروح  وتعرج بها إلى النّور، فلا بد أن نوظف جهودنا ومشاعرنا وأفعالنا لله لا لشيءٍ آخر، فكلّ ما لله ينمو .. فتخيّل أن تضع بذور الإحسان والرحمة في قلوب الآخرين – لوجه الله – وفيما بعد ستكون هذه البذور أشجارًا ترخي ظلالها عليك في الشدّة وتهبك ثمارها في الرخاء. 

قِراءة لــ دعاء الكروان

 

؛

الفرقُ ما بينَ قِراءة الأدب العربيّ – وليسَ أي أدب – عن الأدب المترجم ، أنّك في كل مرّة سيبهرك أصيلُ الكلام ؛ فما بالك بقراءة عميد الأدب العربي – الدكتور طه حسين . 

كنتُ أجد في أسفل الصفحات شروح لبعض الألفاظ ، وكانتِ الألفاظُ جديدةً على إدراكي فعلًا! ، فأنتَ الآن كقارئ للرواية مابينَ مستمتعٍ بالأحداثِ وصياغتها ومتعلّم لمفرداتٍ جديدة تُعينكَ في وصفِ الحياة بلفظٍ جديد. 

حسنًا، عمر الرواية هو ٩٠ عامًا، فتخيّل انتقالك عبر الروايةِ إلى عام ١٩٣٤ م ، سأقولُ أنّي سافرتُ زمنيًا ومكانيًا أيضًا إلى أرياف (بني وركان) والقرى حولها آنذاك ، بل واندمجت أشدّ الاندماج في مجريات ما حدث. 

الرواية تدور حول أختينِ ووالدتهما، اضطرتهما الحياة للخروج من دارهم والخدمة في منازل الأثرياء، تدهشهما التفاصيل الجديدة في عالم الثراء بعيدًا عن شَظَف* العَيش (أي شدّة الضيق – وهي كلمة جديدة تعلّمتها من الرواية بسرور) حيث يقول الكاتب بلسان حال البطلة : ”وأيّ حياة تُهَيَّأ لي فيها! كلها شظف وخشونة، وكلها جهل وغفلة!“ فيحلّ شيطان الإغراء على (هنادي) الأخت الكبرى، ومن هنا تبدأ القصة…. 

سوفَ تصل عزيزي القارئ إلى منتصف الرواية والأحداث بطيئة بعض الشيء وسياقها غامض، ستكون في بادئ الأمر لا تفهم شيئا عدى بؤس هاتين الفتاتين ، ثمّ تتكشف المشكلات شيئًا فشيئًا وتتضح المأساة بشكل مؤلم ، حينها فقط ستُريد أن تصل إلى النهاية بأي شكل… فالأحداث تصبح في أوجها، وكانت النهاية مفتوحة .. للأسف، مما جعلني أبحثُ عن تفسيرها في (جوجل) فـ المفاجأة كانت بأنه تم إنتاج فيلم مبني على الرواية في عام ١٩٥٩ م ، و بحثتُ عنه ولحسن الحظ وجدته في منصة (اليوتيوب) ، وكانت المرة الأولى التي أشاهد فيها فيلمًا قديمًا جدًا! بطولة (فاتن حمامة) ، كان الفيلم جزءًا من تجربة الانتقال الزمني عبر الفن.. لكنّي فضّلتُ الرواية على الفيلم بلا شك. 

أظن قراءتي هذه تكفي ، حتّى إن قررتم اقتناء الرواية تحلّ الدهشة كما يجب على أذهانكم .

أنا أكذُب على أختي فأُزيِّن لها ما أكره، وهي لا تَكْذب على أحد، ولا تحفل بما تسمع، ولا تكذب على نفسها ، وإنّما أسلمتْ  نفسها للقضاء، و استيقنَتْ أن خيرَ ما في حياتها قد انقضى منذ أمَرَتْ أمّنا بترك المَدينة، فلم نُخالف من أمرها وإنما استجَبنا طائعتين. ولكن مما تخاف؟ وما هذا الرَّوع الذي كانت آياته تبدو على وجهها بين حين وحين ، والذي كان يبعث في جسمها من  وقتٍ إلى وقت رِعدة قوية توشِك أن تدفعها إلى الوثوب؟  ـــ طه حسين                                        

(قِراءة لــ (الابتزاز العاطفيّ

 

 

نحن نتعرض بشكلٍ أو آخر في حياتنا اليومية إلى ضغوط معيّنة ، قد تكون غير ملحوظة على المدى القريب، بل لا تبدو ضغوطًا أقرب لأن تكون واجبات نحن أجبرنا أنفسنا عليها بدافع عاطفيّ أغلب الأمر، ونشعر بالأمان المؤقت والسعادة الوهمية عند تحقيق رغبات الآخرين على حساب أنفسنا ، ويومًا بعد يوم تصبح تلك (الرغبات) مسؤوليات على عاتقنا، ونتجنب الاعتراف بذلك حتى.. بل نهرب من احتدام المواجهة والافصاح عن رغباتنا الحقيقية تجاه علاقة سليمة.

كتاب (الابتزاز العاطفي) للدكتورة سوزان فورورد  من أفضل الكتب التي قرأتها في عام ٢٠٢٤ م، ذلك أنها تزيح الستار عن أمور لا نريد أن نراها ، وما إنّ نراها سنجد الصورة كاملةً بكلّ العيوب والأخطاء التي نمارسها بعفوية، سيجعلك الكتاب تفهم نفسك أكثر أولًا، ومن ثمّ تفهم الآخر .. سوف لن نستثني أنفسنا من كوننا أشخاص مُبتزين عاطفيا ولنا ضحايا لتصرفاتنا أيضًا!

الكتاب يقع في ٢٩٩ صفحة ، يعرِض سيناريوهات مختلفة لعلاقات متفرقة من الواقع ، علاقات زملاء العمل ببعضهم البعض، العلاقات الزوجية ، علاقة الأبناء بالوالدين ، وغالبًا ما ستجد نموذجاً من هذه العلاقات يشبهك وحينها ستبدأ تختبر ذاتك من خلالهم، هل كنتَ تبتز الآخر عاطفيًا؟ أم كنت موقع ضحية الابتزاز؟ ولا بأس أن تكون الاثنين برأيي المهم هنا أن تحدد بوصلتك بعدها ..

هل ستستمر بذلك؟! أم ستجد حلًا ؟ هل ستظل تلوم الآخرين في دوامةٍ لا نهائية من التنازل ؟ هل ستختبئ خلف قلق المواجهة بغض النظر عن نتائجها أم ستبدأ بوضع الحدود لعلاقة صحية، أو إن تطلب الأمر ستقطع هذه العلاقة ما إن تبدأ بتهديد نزاهتك في قيامك بأمور تخالف قيمك ومبادئك، فعلى سبيل المثال، ذكرت الكاتبة نموذجاً لعلاقة ما بين رجلٍ وإمرأة، كانا يتبادلان الحبّ.. حتى صار يجبرها للذهاب معه إلى الحانات، وهذا شيء يخالف قيمها.. كان إصراره شديد ولطالما ابتزها بجملٍ مثل : لو أحببتني فعلا لرغبتي بالذهاب معي لكل مكان !، كانت تحبه فعلًا لكنها اختارت نفسها وقطعت علاقتها به خوفًا من العبث بنزاهتها وقيمها.

لا قيمة حقيقية وملموسة لعلاقةٍ تجرّنا للأسفل وتكلفنا المزيد مما لا نبتغيه، المسألة برأيي أكبر من كونها (حفاظًا على السلام الداخلي) و (اعتزال ما يؤذينا) ومثل هذه العبارات التي أجدها جوفاء وتافهة وأقرب لأن تكون هربًا وضعفًا يهدد شخصنا .. وجدتُ أن هدف الكتاب هو تقوية ضحية الابتزاز في بناء الحدود والمواجهة وتحديد مصير العلاقات دون مشاعر الخوف والذنب التي يؤججها المبتز عاطفيًا بطريقةٍ أو بأخرى…

 ”  إنّ الثمنَ الذي ندفعه في كلّ مرة نستسلم فيها للابتزاز العاطفي هو ثمنٌ باهظ جدًا ، وتعليقات المبتز وتصرفاته تُفقدنا توازننا وتُشعِرنا بالخجل والذنب. إننا موقنون بأنه يجب علينا أن نغير الموقف، ولطالما نقطع على أنفسنا وعودًا للقيامِ بذلك فعلًا، إلا أننا نجد الطرف الآخر يتفوّق علينا في الخدع أو المناورات لنجد أنفسنا نقع في فخ الابتزاز العاطفي مرة أخرى. ونشك مرة أخرى في قدرتنا على الوفاء بالوعود، ونفقد ثقتنا في كفاءتنا. ويتراجع شعورنا بتقدير الذات. ـــ  سوزان فورورد

هاتفٌ أرضيّ وساعة يد

كنتُ أتحدثُ مع زوجي عن حجمِ معاناتي في التركيز في أي شيء يبدو تافهًا، كالتركيز مع متحدّث مثلًا، وكم أستصعب تداول الحديث مع أي أحد لمدة تزيد عن عشر دقائق! يغيب ذهني أغلب الوقت دون فائدةٍ مرجوّة منّي فأبدو كمن كان يمضي في الحوار كيفما اتفق، دون اهتمام بالغ مني.. كم من المرات أقع في فراغ عدم الفهم الغائم جدًا فأطلبُ من المتحدث تكرار كلامه بملامح بلهاء و فاقدة للتركيز تمامًا.

لكن … كيف يمكنني أن أشرح لكل فرد أصادفه في أيامي المزدحمة دائمًا بالوجوه الكثيرة والأفواه التي لا تسكت بأنّ ما أمر به لا إراديّ وخارج نطاق تحكمي ولستُ أقصد تجاهل أحد لكن هكذا تبدو الصورة في الخارج فأقعُ في دوامة التبرير كما لو أنّه خطأ متعمد؟ 

كيف أشرح للجميع أن متابعة فيلم وقراءةَ كتاب مثلا هي أصبحت أعمال شاقة بالنسبة لي بعد أن كانت متنفس ، أُفق أو فلنقل أسلوب حياة كنتُ أعتمده كثيرًا في جذب عنصر الالهام وتغذية البصر والفكر والمفردات اللغوية الواسعة ؟

كم مرةٍ بدأتُ بمتابعة فيلم وأطفأته بعد مرور فترة بسيطة ذلك أن هاتفي بدأ يُظهر إشعارات من هنا وهناك وصرت أنظر إليه كلما أضاء فتمر الأحداث في الفيلم مرور الكرام دون أن أعيرها انتباهًا مطلقًا … أنا أعرفُ السبب وراء هذا كله، أو فلنقل أنني استنتجته ولربما يكون استنتاجًا ليس صحيحًا في أغلبه، لكن هذا ما يبدو لي حقًا، أعرف تمامًا كم سأبدو غريبة أطوار في طلبي الذي طلبته من زوجي وقراري الذي قررته بأنني من الآن فصاعدًا إن كان ثمة من يريد التواصل معي يتصل على الهاتف، لابد أن نشتري هاتفًا أرضيًا برقم ثابت.. أريد أن أعيش حقبةَ الأعوام السابقة. 

أجابني بتهكم أنني أبعد شخص يحب التواصل الصوتي ودائمًا ما أعتمد في تواصلي مع الآخرين بالرسائل، فأجبته أنني متأكدة أن ما أوصلني لحالة الشرود المستمر هو الهاتف الذكي الذي جعلنا أغبياء في آخر الأمر ، أريد التخلص منه كما لو أنه وباء، سأرتدي ساعة يدٍ لأعرف الوقت فلا داعي أن أعتمد النظر إلى هاتفي لأعرف ذلك ثم يجرّني بعدها سيلٌ من الاشعارات التي لا طائل منها.

بداية اليوم تبدأ بمنبّه الهاتف الذي بعد أن تُخرِسه للمرة المليون تستيقظ بنصف عين وتنظر لساعة الهاتف ثم تلقي نظرة على كمية الاشعارات التي أضاءت ليلًا دون لقاء عينيك فها أنت ذا تفي بالوعد الذي قطعته على نفسك بلا وعي تفتح واحدًا تلو الآخر، تنظر للأخبار الدموية – على الريق – ، تشحن نفسك بغضبٍ ما وكمد طويل ، ثمّ تنتقل لرسالة المرور التي تيقظك حقًا وتخبرك بتجاوز السرعة وعليك دفع مبلغ ما – كمية من التوتر العالي لصباح سعيد!- ،  ثم تنتقل لهذا وتلك ممن يملأون رأسك بالفيديوهات القصيرة التي تكتشف فيما بعد أنّها ليست إلا أفكار سريعة تتبخر بعد مضي دقيقتين وقد أوجعت رأسك المشحون بالكثير أصلًا ، فتبدأ باللعن على هذا وذاك كما لو أنهم لصوص قد سرقوا الوقت وتظل حانق ومنصدم  من مضي هذا الوقت كله مما تسبب في تأخرك عن العمل، وتسرع مجددًا في الشارع لحاقًا بالوقت المسروق فترصد سرعتك كاميرات الشارع وتبتلع مخالفة أخرى على مضض، وهذا باختصار روتين حياتك

جميعنا يعرف مساوئ المقاطع القصيرة التي يتداولها الجميع في جميع المنصات بأنها تعطينا خلاصةً ما من المعرفة فنبدو متبحرين في كل شيء بينما في الواقع نحن نكدس الكثير مما لا تطيقه وتحتاجه عقولنا ثم تصبح – هذه المعلومات – هباءً بعد دقيقتين  ، ولا نفهم حينها عدم تحملنا لإكمال معرفة معلومة بشكلها الواسع والمتقن من كل جانب ، من خلال كتاب أو فيلم وثائقي مثلا ، من خلال ورشة جماعية أو حتى حوار طويل وعميق مع شريكك في الحياة، ذلك لأننا أدمنّا معرفة الشيء بسهولةٍ ويُسر! .. نحنُ فقدنا القدرة على الاستماع والتحدث، وصرنا نعتمد على تواصلنا أيضًا بمراسلة هذه المقاطع حتى وإن كنا جنبًا إلى جنب . 

أين ذهبت المتعة التي كنا نقضيها أمام التلفزيون مع العائلة؟ مشاهدة الأحداث (معًا)، الضحك (معًا)، البكاء (معًا)، التأثر بكل أنواعه معاً! كلٌّ منا متقوقع الآن بمفرده ويرى ما  يراه وحيدًا لكن بحضور الجميع، مع الآخرين وليس معهم، يجمع الخلاصات والنفايات من وسائل التواصل الـ لا اجتماعية في ذاكرته ، ثم ينهار من فرط المعلومات بعقل ضبابيّ للغاية. 

هل أبالغ ؟ لا أعلم .. لكن زيادة الشيء كنقصانهِ دائمًا …. 

قراءة لـ غُرْبة المنازل

عندما استيقظَ من ذلك الكابوس، لم يكن خائفًا ولا حزينًا. وبعدَ لحظاتٍ أدركَ أنّه في شقتهِ وليس في زنزانة فأحس باعتدالِ مزاجٍ لم يحسّه منذ بدأ عزلته. تنفّس بعمق مطمئنًا إلى سلامةِ هواء الشّقة المخزون، مفكرًا في الخفّةِ القاتلة للكوڤيد الذي لا يحتاج إلى أكثر من الهواء لكي ينتقلَ ويُعَرْبِد ــ عزت القمحاوي

 

يبدأ عزّت القمحاوي (مجموعته القصصية) بغموضٍ ما تستنتج بعده أنّ الحقبةَ الزّمنية التي تجمع أبطال هذه القصص هي فترة الوباء لڤايروس كورونا، تحت سقف عمارة واحدة. حسبَ الغِلاف الجميل وتصنيف الكاتب فهي ”رواية“ لكنني للأمانة وجدتها أقرب لقصصٍ قصيرة منفصلة عن بعضها وثمة رابط بسيط يتداخل في كلّ قصة على نحو الصدفة ألا وهو بوّاب هذه العمارة أو زوجته.

الفكرة جميلة ويمكنك تخيّلها وعيش بعض تفاصليها وذلك لأسلوب الكاتب النّادر في عصر الكتابات المعقدة والمحشوّة بالكثير من الألفاظ لإيصال فكرة واحدة.. أو نصف فكرة حتى / وفي مجمل الأوقات الفكرة لا تصل… حسنًا سأعترف بأنّي مررتُ بتفاصيل معينة ذكرها الكاتب ووجدتها فائضة عن حاجة القارئ لمعرفتها بل كانت أقرب لإبعاد التركيز عن جوهر كل قصة والتيه قليلًا في المزيد من الأفكار التي تتضاءل دون وضوح وتنتهي سريعًا فهي قُيّدت بكونها أحداث قصيرة وليست روايةً متكاملة؛ لكن لا تزال تتسمّ بالسهولة في فهم الكلمات على الاقل، يعني لا يتطلب الأمر معجمًا وتأويلا وتفسيرًا لكل سطر يمرّ به القارئ. 

”بمكابدات بطولية تمكّن من النهوض، وبدأ يتصرف كطبيب. فتح شبّاك الصالة فتدفق الهواء. استنشقَ بعمق وتوجه إلى خزانةِ المطبخ وتناولَ ملعقةً من العسل، ثمّ خطا نحو مقعدٍ وتداعى فوقه…“

يمكنّك رؤية هذا في مخيلتك الآن، إنها البساطة التي اعتمدها في مجمل وصفه للمشاهد التي ستقرأها، سيكون مناسبًا جدًا قراءته أثناء انتظارك موعد الاقلاع، كــ مادةٍ أدبية خفيفة على العقل.

قرأتُ ”غربةَ المنازل“ في فترات متباعدة .. وكنتُ أستطيع الاندماج في كلّ مرة أعود لها، رأيتُ أسلوب الكاتب لطيف بما يكفي للاستمرار فيها حتى النهاية .   

Powered by WordPress.com.

Up ↑