دوّامةُ العلاقات …

في العلاقاتِ لابدّ أن تعرفَ ما لكَ وما عليها تجاهك، ليس من بابِ الأنانية لكن، منفعة مُتبادلة خيرٌ من استنزاف مستمرّ لطرف واحد في هذه العلاقة، ولابدّ من وضع حدودٍ وإطارٍ لكلّ علاقة نمرّ بها. فإن كانت العلاقة زوجية فإطارها العائلة والحميمية والحبّ، لا يشوبها مثلًا أشياء خارجية كأمور العمل، هنا يختلط الحابل بالنابل ، والعكسُ صحيح ، أنتِ موظفةٌ في العمل ، حدود هذه العلاقة في العمل ولأجل العمل، لا يشوبها أي تواصل من نوع آخر أو التدخل في الحياةِ الشخصية. 

إن الانسان يكفيه مالديه من مسؤوليات في حياته الشخصية، وقدومه للعمل فقط لتفريغ طاقته فيما يعمل به، فلا أظن أنّ من اللائق خلط الأمور بعضها ببعض، فحينها مسمّى العلاقة يضيع وتضيع بعدها الحقوق تِباعًا، لكلا الطرفين، خلق الصداقات في بيئة العمل قد يكون نوعًا من أنواع الضغط النّفسي، والإيذاء المستمرّ بحسن النيّة!، حتى وإن كان الطرف الآخر يظن أن ما يفعله في مصلحةِ هذا الموظف. جميلٌ أن تجمعكما علاقة الزّمالة التي  لربما تزيح شيئًا عن كاهلك بوجود شخص يشعر بضغط العمل تمامًا كما تَشعر، لكن أن تصلَ الأمور إلى توجيه الآخر في اختيار قرارٍ ما ، والقرار شخصيّ للغاية، لأن مصلحة العمل تقتضي بذلك، وأنت لا تعلم حينها أنه لمصلحةِ العمل لا لمصلحتك ، لأنكما كنتما في فترةٍ ما قد أضعتما هذا المسمى ما بين الرفقة أو علاقة عمل، فالثقّة عالية ومُسلَّمٌ بكل قولٍ يُقال، فتختلط الأمور بعدها، وتخوض صراعًا بين أن تكونَ عقلانيًا في قرارك أو لأجل فلان لن أفعل ذلك .. وتستمر في المزيد مما لا تطيق ، لأجل الآخر، لا لأجل نفسك وواجبك وفقط . 

إن سمومَ هذه العلاقةِ مستمرّة، حتّى وإن أغمضتَ عينيك لتهرب من الواقع، عقلك الباطن لا يزال يظهر صور هذا الشخص كما لو أن واجبك أن ترضيه دائمًا لا أن ترضي نفسك، ثمّ حين تحين المواجهة ، تُصبح الأعذار مختلفة وسامية ومثالية بينما أنتَ تبدو كالأناني والانتهازيّ الذي اختار مصلحته فوق الجميع وقد تسبّب بالكثير من الدراما التي لا طائل منها حقًا ، بينما في الواقع من حقّك أن تقول ما يزعجك، وأن توجدَ حلولًا لها، وإن كانت الحلول موجودة فماذا تنتظر؟، هنا ، فترة الانتظار هذه، تُصبحُ الكرةَ التي يركلها الجميع في ملاعبهم، كلّ شخص يخبرك رأيه بما يناسبه هو لا ما يناسبك، تختار فيما بعد ما تُريد، فيُشعركَ البعض أن خيارك خاطىء بطريقة أو أخرى ، وأنت تصغي ، وربما تضيع عليك الفرص و أنت تصغي.. واثقًا بهذا وذاك ، مسلمًا أمرك للقاصي والداني .. بينما نفسك لم تقف عندها وتخبرها بماذا حقًا تريد؟ ومالذي يمنع؟ اصغي لنفسك أولًا وأخيرًا ، سيكون درسًا قاسيًا أن تصغي للغرباء …. 

خلاصة القول، إن كنتَ موظفًا ، فحافظ على علاقتكَ برئيسك بحدودها ، حتى إن كان ثمّة شيءٌ تستحقه تأخذه بجدارتك لا أن يُمنّ عليك به كلّ مرة ، وإن كان ثمّة شيء لا يعجبك، تقوله دون تردد .. لا أن تُفضّل السكوت حتى يمتليء قلبك حفاظًا على هذه العلاقة الغريبة ، وحافظ على نفسك قبل أن تغرقَ في دوّامةٍ كهذه، فتخيّل أن تقضي ثلاثة أرباع يومك لأن ترضي فلان وفلان على حساب ذاتك؟  

صدّقني، ما يهمّ هو الصورة

في عامّ ٢٠١٠م ، تخرّجتُ من الثانويّة بامتياز، لكن لم تكن النسبة تقارب المئة حتّى أُقبل في كليّة الطب، فكان حينها هذا التخصص الوحيد الذي تُفغر له الأفواه، ثمّ يأتي بعدها التمريض، ثمّ أي تخصص طبيّ آخر، درستُ سنةَ في جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، وبعد السنةِ التحضيرية كان تخصص ادارة الأعمال هو الوحيد المتاح، فكنتُ حينها كمَن ضيّع عامًا من عمره، هذا التفكير المنحط ونظرية القطار الذي يمضي… ولا يصطحب معه الأمنيات والأحلام. 

في عامّ ٢٠١١م ، بالتحديد في منتصف العام الدراسي، صرت أبحث عن أي تخصص آخر / في نطاق الصحّة ليقبلني، كانت المعاهد الصحية أغلبها تَقبل من بداية العام الدراسي، ماعدى معهد المواساة للعلوم التطبيقية، دخلتُ المبنى، كان أشبه بعمارة مهجورة، تفاجأت بوجود موظفة استقبال أصلاً.. سألتها كمن يدخل متجرًا يرى المتاح من بضائعه، ماذا لديكم من تخصصات؟ كلّ المقاعد امتلأت، لكن هناك مقعد وحيد في تخصص مساعد طبيب أسنان – كانت هذه اجابتها، فقلتُ لها حسنًا، هذه أوراقي ، وقدّمتُ لها الملف ، وبقيَ المبلغ المالي للتسجيل، فأخبرتُها أنني سأعود غدًا بالمال. 

خرجتُ من المعهد متجهةً إلى سيارةِ أبي الذي كان بانتظاري، سألني ماذا حدث؟ قلتُ له نفذت كل المقاعد في صفوف التمريض والمختبرات، ظلّ مقعد واحد في تخصص مساعد طبيب أسنان.. سألني، وما هو هذا التخصص؟ أخبرته لا أعلم .. ظلّ حائرًا، لكن ظل صامتًا في آن واحد، كان يعلم حجم الضياع الذي كنت تائهةً بداخله ، بعدَ مضيّ ربع ساعة تقريبًا، اتصل لأخي الأكبر وسأله ماهو تخصص مساعد طبيب أسنان؟ فأجابه بعدم المعرفةِ أيضًا .. يا للروعة .

لم أكُن واعيةً حينها ، أو حتّى مُهتمة لمعرفة طبيعة العمل، في النهاية سوف أرتدي معطفًا وأعمل في مشفى ، كأي شخص رائع وناجح ، كانت هذه الصورة المثالية للنجاح حينها، صدّقني، ما يهم هو الصورة حقًا . 

كانتِ الدراسة دبلوم، فالتخصص لا يحتمل أكثر من كونه دبلومًا، كلّ المواد كانت بالنسبة لي سهلة، تخرجتُ بعد عامين بمعدل ممتاز ، توفيَ أبي قبل أن أتخرج بعامّ .. فكانت فرحة النجاح مليئة بالغصّة والدموع، ولكن، لحسن الحظّ أنّه لم يعرف حجم المعاناة التي أعانيها الآن وراء اختيار هذا التخصص … 

مع فائق احترامي لجميع موظفيّ هذه المهنة، لكنّها لا تعجبني، كلّ ما في الأمر أننا نساعد الطبيب في الحصول على ما يحتاجه من أدوات لعلاج المرضى دون أن يلمس الأسطح المُطهرة بيديه الملوثتين بالدّم واللعاب … فحفاظًا على نظافة المكان وعدم انتقال  العدوى وُجِدَ هذا التخصص ، كلّ ما في الأمر أننا نُطهر المكان ونُناوّل الطبيب ما يريد . 

بعدَ مضيّ فلنقل ، ستّ سنوات من ممارستي لهذه المهنة، عادت مشاعر الضياع التي كان يَحذر أن يفتحَ جراحها والدي آنذاك، وبدأت أشعر بالقرف الشديد مما أنا فيه، لربما هي مُشكلةٌ أعانيها أنا وحدي، فبقية الموظفين من نفس تخصصي يعيشونَ أيامهم باستقرار وثبات روتينيّ ، كنت ولازلت حتى هذه اللحظة ، أي بعد مضي ثمان سنوات ، لا أجدُ نفسي في تخصصٍ دخلته لأنه الوحيد المُتاح ، لا يشبهني، ولا يُحقق شيئًا من ذاتي . 

عندما أواجه سؤال : لو عاد بي الزمن ماذا سأغيّر؟ كانت اجابتي دائمًا هي تخصصي، فتخيّل أنّك يوميًا تصحى صباحًا لتعمل شيئًا تمقته، بل أنت مُرغمٌ عليه بإرادتك ، ولا شيء قد يُغيّر الواقع عدى أن تخرج من ثباتك المزري نحو مغامرة أخرى، مغامرةٌ تُرضيك وتُشبهك ، مُغامرة تُحقّق فيها كلّ ما يكبلك في دائرة التطهير والتنظيف ومكافحة العدوى في عيادات الأسنان، مُغامرةٌ أستطيع بها أن أخبرَ أبي حين ألقاه .. أنّني تفوّقتُ على حيرةِ ذاتي، واستطعتُ معرفةَ ما أريد، ودرستُ بعد سنوات عجاف شيئًا يضيء روحي، فكلُّ الذي أمرّ به الآن .. هو انطفاءٌ وتضاءلٌ وتعبٌ شديد وحبوب مضادّة للاكتئاب أحارب بها تعاسة هذا الواقع، ولا تهمّ الآن الصورة ، لا يهمّ المعطف الأبيض ولا المستشفى .. يهمنّي أنا .

قراءة لـ (شهر العسل)

المرّة الأولى التي أقرأ فيها لنجيب محفوظ ، كنت مسبقًا قد بنيت توقعات لضخامةِ هذا الاسم أدبيًا، تخيّلت لغته صعبة ولفرطِ بلاغتها لا تُفهَم، لكن كان عكس توقعاتي .. بل أجمل من تلك التوقعات بكثير! ، كتاب شهر العسل عبارة عن مجموعة قصص قصيرة ، وجدتها ملائمة للتمثيل المسرحي أو حتى للأفلام. نجيب محفوظ يستطيع أن يجلبك للمشهد وتكون المستمع للشخصيات والمُشاهد والمُتفاعل أيضًا، بساطة لغته وذكاء النهايات يجعلك تريد أن تعيد قراءة القصة مجددًا لتحظى بشعور الدهشةِ في الخاتمة مرّة أخرى. 

أحببتُ كثيرًا قصة (فنجان شاي) تقع في الصفحةِ واحد وسبعين، ومنها أتخذُّ هذا الاقتباس كصُدفةٍ موجعة وحقيقيّة تحاكي أحداث هذه الفترة المؤلمة فيما يفعله الاحتلال الصهيوني البشع في غزّة : 

لا مكان إلّا لنوعين من الانسان ،واحدٌ يقاتل بقلب ملؤه الشرّ، وآخر يقاتل بقلبٍ ملؤه الخير .  

فلا تتخيل، بل يحدث فعليًا، أن هذين النوعين اجتمعا، وقبضة الشرّ تعيث في الأرض جراحًا كثيرة، يشدّني الكاتب التي جملته لا تنتهي في زمنهِ، بل تستمر، تصف الأزمنة الأخرى حتى ولو بعد عقود من الزمان ، إن ما يجعلنا نبحث عن الكتّاب القديمين هو ضحالةِ ما يُكتب الآن، لا أُعمّم هذهِ الفكرةَ لكن، لماذا ذكرتُ في الأعلى أنني قد بنيت توقعات ما قبل قراءتي لنجيب ؟ لأن الآن يبدو الأدب لدى الكتّاب الذين يمارسون (الحشوّ البلاغي) هكذا، الصّعب المُريع،  فتقف عندَ جملة تتكون من أربع أو خمس كلمات تُفقدك عقلك لصعوبة تأويلها، كما لو أنّ كلما زادت عضلاتك اللغوية والبلاغية كنتَ كاتب هذا العام ، ولفرطِ صعوبتها سوف تُنسى وتنسحب تلك العُقد من ذاكرتك مباشرةً، بِخلافِ أن يأتيك كاتب مثل نجيب بسطر بسيط يُعبرّ فيه عن فكرةٍ ما ويجعلك ترى هذا يحدث الآن ، رغم أن الجملةَ مضى عليها ثلاثة وخمسين عامًا ولا زالت حاضِرة . 

  إنَّ الغَرقى في ذمَّةِ المتفرجين ….   

لا أعرف كيف أصف هذا الاقتباسِ حقًا لكنّه بدى لي كالحقيقةِ التي لا أريد ابتلاعها وأختنق بها أصلا، كم مرّة قرأتُه وأحسستُ أنّي في مجموعةِ المتفرجين؟ إن العجزَ الذي يستبدّ بي تجاه القضية الفلسطينية يجعلني فعلًا أرى الغرقى.. الغرقى بدمائهم يستنجدون الجميع، والإغاثةَ عالِقة، والغيض يحتشد في حناجرنا .. والدّمع لا يُسعف أحدًا. 

واقعية اللغة وذكاءها كانت حاضرة بجمال وهدوء في هذه المجموعة، بل تشجعتُ لاقتناء المزيد لـ نجيب محفوظ، يمكنك الانتهاء من قراءة مؤلفاته في وقت قصير لخفّة المحتوى وثقلَ الفِكر في آنِ واحد . 

بحثًا عن حقيقتك

أنت تخشى دائماً، أن تكون ضدّ التيار،  ولكن لا يزال يتعبك عبورك المُعتاد مع الجميع .. أن تكون مختلفًا ببسالة، يعني أن تُذكِّر نفسك دائمًا أن كلّ ما تمرّ به ليس بالضرورةِ حقيقيًا جدًا حينها قد ترميك شجاعتك هذه في مواجهةٍ أخرى أشدّ حدّة من سابقتها؛ ستختار النزول لأسفلِ عمقٍ في الماء لو تطلب ذلك وأن تقفز بمليء إرادتك من قطار يسرع في الثانية مئات الكيلومترات دون أن تتأذى، بحثًا عن حقيقتك أنت . 

سيكون المنطق في جيبك كلما احتجتَ إلى برهنة ما يحدث، لا عاطفةَ هنا ، ستكون قويّا بما يكفي لأن تختار ما تريد أنت، لن يتوقف في طريقك شيء أو أحد ، سيكون دائمًا ثمة حل لكل العُقَد التي تجد طريقها دائمًا نحوك سواءً كانت – تلك العقد –  على هيأة بشرٍ أو مواقف … 

أن تمضي عكسهم يعني أن تختار نفسك قبل الجميع ، أن تحافظ على ما تبقى من أفكارك الخاصة ونهجك في الحياة دون أن تؤثر عليها عادات الآخرين ، ستكون شجاعًا بما يكفي لأن تُسقِطَ الأقنعة، أولئك من ظننتَ أنّهم يقفون معك سوف يطرحونك أرضًا يومًا ما، بل لن يمدوا يدًا لينتشلوك من خيبة الواقع . 

حينها فقط، سوف ترتقي بأخلاقك وهم يهبطون بدورهم، وذلك ما قد يدفعهم للخوف على مكانتهم ، أنت تعلو وهم يسقطون لذا سيحاولون ويحاولون جرّك للأسفلِ معهم ، كما لو أنّهم لعنة أبدية أو وحلٌ يشدّك مكانك فلا تستطيع التحرك أو حتى المقاومة ، لكنّ الخوف لا يهزمك بل يحفزّهم لأن يستمروا في العداوة التي لا مبرر لها ؛ بينما مخاوفك التي تعشش في أعماق دماغك هي أن تنجرف مرغمًا مع تيّارهم ، أن تفكّر من خلال آرائهم لا آرائك أنت ، أن تتبع أسلوبهم لا أسلوبك أنت ، أن تكون إمّعة لا شيءَ يميّزك .

ستقاوم كثيرًا ، سيكلفك الأمر طاقتك كلها، ستنفذ بلا شك، سوف تضحي بالكثير.. ربما تخسر نفسك في بادئ الأمر وتخوض المزيد مما لا تطيقه روحك ؛ لذا ستنأى بنفسك وتترك السّاحة كلها، تعتزل الوجعَ وتغلق الباب خلفك برَاحة ، تؤنسك الوحدة أكثر من أي وقت مضى . سينشغل الآخرون بصنعِ المزيد من العداوات بين بعضهم البعض ، بينما أنت تقف خارج إطارهم ، عدوّك الوحيد هو ذاتك، تظلّ تروضها وفق ما يناسبك ، ثم تنمو مجدداً باتجاه الضوء فلا يسحبكَ ظلامهم .. أو .. ظُلمهم . 

قراءَة لـ يَافا

حسنًا، في بادىء الأمر كنتُ سأتوقف عن قراءةِ الرواية لحظةَ أن عرفت أن “يافا” ليستِ المدينة، وأنا ظننتُ الرواية أو فلنقل “الخواطر” كُتبت عن المدينة حُبًا في قراءةِ فلسطين من عينٍ فلسطينية..تزامنًا مع الأوجاع التي تحدث حاليًا في غزّة . لكن، للأسف كان العنوانُ شيء، وكذلك غلاف الكتاب شيء، والمحتوى شيءٌ آخر ومختلف عمّا توقعته أو رجوته، عَلِقتُ في ربعها الأوّل وفضّلت أن أعطيها فرصةً ثانية لعل المتعةَ مختبئة هنا أو هناك … 

“الرواية” أقربُ لأن تكون نصوص أدبية عاطفية بشكلٍ مبالغ فيه أو هكذا بدا لي . لا أحداثَ سوى حدث مكرر وهو مراسلة صحفيّة و التي لم تختر لها الكاتبة اسمًا لشخص مغترب لم يحظى باسم أيضًا، وهذا الشخص لا يبادلها الحب كما تريد، وأحيانًا يبادلها الحب الذي تريد، بالأحرى ؛ طغت فكرة الفتاة التي قد تموت لأجل رجلٍ بشكل مراهق للأسف، وهذا الرجل يأتي ويرحل بمزاجه وهي حاضرة هناك بضعفٍ ولهفة مزعجة.. مفردات الشوق والفقد والحنين كانت منهِكة لكثرتها، برغم لغة الكاتبة الجميلة ، كانت الفكرة ركيكة إلى حد ما. 

أظنّ أن الكاتبة لم توفق كثيرًا في كل شيء، بدءًا من اختيار اسم الرواية وصولاً للمحتوى وأيضًا الخاتمة، الجزء الأخير منها كان للأمانةِ الأكثر امتاعًا، تقريبًا آخر خمسين صفحة؟ المهم ثمّة أحداث بين حسن و”يافا” وزمانٍ ومكان، لو أنّها وظفت طاقتها اللغوية في هذا الجزء ليكونَ الغالب بالتفاصيل كلّها لكان مناسبًا حتى مع اسم الرواية، فكانت الرواية تتحدث أغلبها عن الصحفية والجزء الخاص بيافا كان قصيرًا جدًا! 

ثمّة معلومات لم تكن منطقية بشكلٍ كافٍ وعدم توافقها الزمني أدى إلى بِضعُ هشاشة في بناء الرواية، كالحرب الأهلية التي حدثت في لبنان وتوقيت دراسة حسن هناك، كيف أمكنه التخرج ولبنان في حالة حربٍ مستعرة؟ ، أيضاً .. قرأتُ اقتباسًا كنتُ متأكدةً أنه ليس لمحمود درويش بل لـ الطغرائي – ما أضيقَ العيش لولا فسحة الأملِ – ونسبتهُ الكاتبة إليه لا أعلم لماذا؟ وأعتقدُ أنها هفوة كبيرة سقطت من دار النشر أولاً – بعدم تدقيقهم المناسب – والكاتبة ثانياً . 

الأدب الفلسطيني ، أو أدب الحب والحرب لابد أن ينتزع الأوجاع من قلوبنا ويضعها على محجر العين، وإن لم تكن العين تبكي فالحرقة تقف في الحلق، يجعلنا الأدب أو الفنّ نرى شخوصهم في حاضرنا كما لو أننا عشنا معهم، في لجوئهم، في معاناتهم، في شهادتهم، في حرقة قلوبهم، لكن للأسف لم يتحقق ذلك ، أو لم يكن هذا هدف الكاتبة. 

لعل رأيي قاسٍ لكنني متأكدة أن اللغة الجميلة التي تملكها الكاتبة يمكنها أن توظفها في روايات ومستقبل أدبيّ باهر ..

قراءة لـ إنسان مُفرطٌ في إنسانيّته

سأعترفُ بأنّ الكتاب برغم صفحاته القليلة ، ولغته البسيطة، إلا أن الكثير من المقاطع التي قرأتها شعرت بحاجةٍ لأحدِ الفلاسفة بأن يساعدني في فهمها ، إنها عميقة للغاية، برغم الوضوح هي أيضًا معقّدة ! ، لا أعرف كيف أشرح هذا لكن، في المجمل الكثير مما يواجهنا ونواجهه في الحياة كُتبَ هناك .. وكم يبدو أن تكون حرّا صعبٌ للغاية. 

فالتحرّر من وجهة نظر نيتشه ليس من الآخرين، بل ، من الانسان نفسه .. كيف يتحرر من أفكاره ومعتقداته الخاصة وأنانيته المفعمة؟ حتى وإن أظهرَ عكس ذلك، ثمة تشبث لا ملحوظ في عاداتنا، أفكارنا التي كبرنا عليها ، لعلها ليست صحيحةً، لن أقول كلّها بل بعضها، مشاعرنا، كيف نتحرر منها ؟ الانسان الحرّ حقًا، لا يقيّده الكره أو يعلّقه الحب، لا يتحيّز أو ينفر .. فهوَ حُرّ طليق من كل شيء ، كل شيء. 

ومن بابِ الإنسانيةِ؟ فلا تخولنا (معرفةً) ما بأحدٍ ما أن تكون لدينا صلاحية في تقييم أفعالهم وقراراتِهم فلسنا نحن من كنا في مواقفهم آنذاك وكم يسهل التعليق على الآخرين من البعيد .. طالما لا يطالنا شيء من واقعهم وحياتهم . 

معرفةَ إنسان بشكل عمليّ ومهما كانَ قريبا منا لا يمكن أن تكونَ كاملةً، بحيث نستطيع امتلاك الحق المنطقي في تقييمه بدقة ؛ إن جميعَ التقييماتِ موجزةٌ ويجب أن تكونَ كذلك ، ثمّ إن المعيارَ الذي نستخدمهُ في القياسِ ليس كمية ثابتة؛ إذ لدينا أمزجتنا واختلافاتنا، ومع ذلك لابدّ لنا من تعريف أنفسنا كمعيار ثابت لنستطيع تحديد طبيعة علاقة أي شيء بنا .

ـــ فريدريك نيتشه

فمثلًا مثلًا، أن تقول لإنسانٍ تظنّ أنّك تعرفه بناءً على كلام الآخرين عنه، أنّهُ باعَ أرضه ، بينما أنت لا تعلم ماضيه ولا تاريخ تلك الأرض، أنت مُغيّبٌ عن الحقائق، بل إن الحقائقَ جاءتك مُلوّثةٌ بسارقي تلك الأرض، إن الحقائق لا يعلمها إلا الله وأولئك الشهداء الذين سقطوا على أرضهم .. التي لم يساوموا عليها ، فنحنُ نرى اليوم، من الذي يقف مكتوف اليدين، ومن الذي يظل صامدًا فوق أرضه ، تُذبح نساءه أمام عينيه، ويموت أطفاله أسفلَ منزله، تحتَ القصفِ والطغيان، ويشيخ بوجع مديد وحرقة لا تنقضي إلا بعودة الأرض لأهلها ، أن تقول لهذا الانسان، أنّه رضى بذلك وسكت أمام الأموال، تلك هي اللإنسانية في حينِ أنّه يتجرّع الدم والجثث والبارودَ منذ الطفولة . 

إنّ العالمَ الغربيّ اليوم ، وعلى رأسهم نيتشه، هذا الفيلسوف المتحذلق، قد أثرّ على حضاراتنا ووجودنا وثقافتنا، قد أثرّ علينا فظننا أنّ العالم الغربي هو العالم الإنسانيّ، الذي يخلو من فضائع اللاإنسانية، بينما اليوم هم من يمارسون ذلك على فلسطين الأبيّة والشعوب الحرّة … 

من سمات الحضارة المتقدمة أنها تنمو بما هو أدنى .

ـــ فريدريك نيتشه

في حينِ أنّ حضارة الغرب المزعومة، تنبذ كلّ ما هو أدنى، في صراعهم المستمرّ مثلا مع أصحاب البشرةِ السوداء باعتبارهم أشخاص أدنى ، فالسمو مربوطٌ ببياض البشرةِ واحمرار الخدين .. 

الجمال العقلاني ينتشرُ ويتعمقُ على الدوام ، ويجب أن يكونَ الجانب العقلاني والداخليّ لكل الأشياء ذا أهميةٍ أكبر بالنسبة لنا من أكثر الصور الخارجية روعةً وجمالاً

ـــ فريدريك نيتشه

في حين تهميش العقول العربية ووصفها بالبدويةِ الجاهلة، هيَ نهجهم في تصنيفنا بلا انسانية، إن العلوم كلّها سُرقت من الشرق الأوسط، وإن العقول الجميلة لا تزال تصارع الغرب الجاهل، الذي يظن دائما أن تصنيف الناس بيده، هذا عربيّ ، هذا أسمر، هذا بدويّ ، هذا أسيويّ … ولكن الله كرّم الإنسان بآياته في قوله تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) .

فالتقوى، هي العقل، الذي ميّزنا الله به ، وحرمه من الغربِ الفاجر … 

قِراءة لـ فنّ السّفر

أن تسافر في روحكَ عبر الكتاب، إن صحّ ذلك، فنّ السفر كتابٌ جذبني مُترجمه أكثر من عنوانه، للمترجم السوري الحارث النبهان، والكاتب الآن دو بوتون، يأتي على صورة نصوص فلسفية تحت عناوين عريضة والعناوين العريضة تندرج تحت فصول عديدة، الكتاب كاملًا تشعر فيه بحيويةٍ ما، يشدّك إلى مغامرة معينة حتى لو كانتِ المغامرة في غرفتك الخاصة، فكان له رأي جميل بأن (ثمة بعض الناس ممن عبروا الصحاري، وتسلقوا جبال الجليد العائمة، وشقّوا طريقهم بين الأدغال، لكننا نفتش في أرواحهم عما شهدوه وعاشوه فلا نعثر على شيء. وأما كزافييه دو ميستر الذي ارتدى بيجامة وردية وزرقاء وقَنِعَ بالبقاءِ ضمن حدود غرفته، فهو يحثّنا حثًا لطيفًا على أن نحاول ملاحظة ما رأيناه وما نراه دائمًا قبل أن نشدّ الرحال إلى أصقاع بعيدة.) 

أمّا أنا؟ علِقتُ في الفصل الخامس، تحت العنوان العريض (المَشاهدُ من حَولِنا) وكان يندرج أسفله عنوان آخر (في المدينة والرّيف) ؛ لكَم لامسني هذا الفصل، وودتُ أن أخبرَ العالم كله عنه، العالم من حولي، الغارق في المدينةِ وتبعاتها، وأنا .. أوّلهم! ، ثمّة الكثير من الاقتباسات التي وقفتُ لديها، والتي جعلتني أستصغر كلّ شيء أحمق أمرّ به في العملِ، في الطرقات ، في السوبرماركت و في كلّ مكان … كانت وجهة نظر الكاتب متأثرة بنصوص للشاعر (ويليام ووردزوورث) الذي لم يكن شعره يُعجبُ أحدًا آنذاك، فأحدهم راجع أشعاره وقال بأنها (سخفٌ طفوليّ) ثم تساءل إن كان يتعمد أن يجعلَ نفسه أضحوكةً ؟ 

الشاعر ويليام، كان متأثرًا جدًا بالطبيعة وكيف كان لها أثرها العظيم على نفسه، كلماته أشبه بالتأمّل، وأقرب لأن تكون ترنيمةً للتشافي، تحت أثرِ الجبال والشلالات والزهور والوديان، كان يقول أن ( قَدَرُ قَصائدي أن تكونَ مواساةً للمجروح)

وذلك أنّه كان يرى أن أثرً المدنِ على أرواحنا مدعاة للقلق، أكثر من أثرها على صحتنا، اتهم الشاعر المدنَ بأنها تشجع مجموعةَ مشاعر تدمر الحياة؛ قلقنا على مراكزنا ضمن التراتب الاجتماعي؛ وما يثيره نجاح الآخرين من حسدٍ في نفوسنا؛ وغرورنا ورغبتنا في أن نبدوَ لامعين في أعينِ الآخرين .

ـــ آلان دو بوتون

 في الحقيقة اهتمامنا بالآخر هو الجرف العالي الذي آجلا أم عاجلًا سوف نهوي منه، بكل ألم، والمدينة، تُثير هذا الشعور، والتنافس عالٍ في الساحة، كأن لابدّ لنا أن نهتمّ لهراء الجميع وكلامهم،  فتخيل مثلا، أن يظنّ طبيبٌ ما أن رأيه يجب أن يُسمع لمجردِ مكانته الرفيعة، حتى إن كان الرأيّ ليسَ طبيًا بل شخصيًا، حتّى وإن كان الرأيّ ليس للمريضِ بل للموظفين حوله، إنّه الغرور . وتظلّ أنتَ تستمع لهذا ، وتصغي لذاك ، بينما أنتَ نفسك لا تسمع صوت نفسك، وتظلّ تائهًا حتى تسقط من ذلك الجرف، وتتأذى كثيرًا .. وتقرّر الهروب نحو عزلة مناسبة تُعيد صوابك فيها . 

قاطني المدن الذين صاروا يفتقرون إلى القدرة على النّظرِ إلى حياتهم، فهم واقعون تحت رحمة ما يُقال في الشوارعِ، أو على موائدِ الطعام، ومهما يكن عيشهم رغدًا، فإن لديهم رغبة لا تهدأ في الحصول على أشياء جديدة لا هم في حاجةٍ حقيقةٍ إليها ولا سعادتهم متعلّقة بها ، في هذا المناخ المزدحم القَلِق ، تبدو إقامة علاقات صادقة مع الآخرين أشدّ صعوبة منها عندما يكون المرء في منزلٍ منعزل .

ــ آلان دو بوتون

كيف يمكن للمرءِ إقامة علاقة صادقة مع الآخرين بينما هو، نفسه، ليسَ صادقًا مع نفسه؟ إن كانَت بوصلة رغباته ومشاعره كلّها باتجاه أمور سطحية، كإسم الماركة التي يجب أن يرتديها، أو قيمة ساعة اليد التي تقيّد معصمه، بينما أفكاره وطموحه لا تتعدى مظهره، كيف يمكن للحوار أن يكون عميق وذو معنى معه؟ سنُعجب بما نراه من مظهر نعم، لكن صدّقني، ستمرّ الأيام وتلعن نفسك إذ جعلته يدخل دائرتك لفرطِ التفاهة والفراغ ، وهذه القاعدة ليست عامّة، لكنّها غالِبة . 

فقد تثير فينا صحبة بعض الناس كرمًا ورِقّة ، في حين يوقظ غيرهم في نفوسنا أحاسيس الحسد والتنافس. من هنا، يمكن أن يقود الانشغال بالمكانة والدرجة الاجتماعية واحدًا من الناس (وليكن اسمه (ب)) ، إلى القلقِ على مكانتهِ وأهميته بين الناس (يحدث هذا على نحوٍ خفيّ لا يكاد يُحسّ) ، مع أن النكات التي يلقيها (آ) توقظ في داخله احساسًا بالسخف والتفاهةِ كان قبل ذلك هاجعاً . ماعلينا إلا أن ننقل (ب) إلى بيئةٍ أخرى حتى يتغير ما يجول في ذهنه ، تغيرًا رفيقا ، استجابةً لمن يُحدّثه .

ــ آلان دو بوتون

أؤمن بنظرية التفاحة الفاسدة تُفسد ما حولها، والصحبة المُتعبة قد تُغرقنا في توترّ لا نهائيّ، يظل يمزّقك العيش والملح ما بينكما في حين أنّ أوّل بوابة هروب قد تُسعف قدميك للرحيل ستجري نحوها، الحياة قصيرة للغاية حتّى نختار ما يرهقنا باستمرار، نحن بالكاد ننجو في حياتنا مما يُصارع الحياةَ ذاتها ، ما بالك بجلب الهمّ بيديك وقدميك لحياتك في حين يمكن ايقاف هذا كلّه، نحن لا نعقد وثيقةَ التزامٍ بالآخرين .. والآخرين هُمُ الجحيم كما يقول سارتر . 

هكذا تستطيع الطبيعة تعليم العقل الكائن فينا، وهكذا تطبعهُ بخاتم السكينةِ والجمال،وهكذا تُرضِعهُ أفكارًا ساميةً ،فلا تعودُ الألسن الخبيثةِ، ولا الأحكامِ المتعجلةِ، ولا هزء البشر الأنانيين ،ولا تحيّاتهم التي لا صدقَ فيها،ولا كلّ ما في الحياة اليومية من علاقات مُحزنة ،بقادرة على هزيمتنا، ولا على تعكيرِ إيماننا الفرِح بأن كلّ ما نراهُ مُفعمٌ بَرَكَة.

ــ ويليام ووردزوورث 

هكذا يستنجد الشاعر بالرّيفِ لمواجهةِ الآثارِ الخبيثةِ لعيشة المُدن ، يقول آلان دو بوتون ، وأتفقُ تمامًا بكل السموم التي ابتلعناها في التمدن، إنّ الحيَاةَ البسيطة والمفعمة بالطبيعةِ، لهيَ الطريق إلى النّفس والابحار فيها ، دون جدال أو ضجيج، العزلة في منزلٍ جبليّ أو العيش أمامٍ ساحل تجرّ أمواجه أفكارنا وضياعنا ويعيد النسيم إلينا صوابنا الذي فقدناه تحت وطأة المكانة الاجتماعية والزملاء والأحكام المُطلقة التي ببساطة لسنا بحاجةٍ لها … 

 

  

لا شَيْءَ لي …

قالت : 

لا شيءَ قد يُظهر أسوأ ما فيك سوى تحمّل أمور لستَ مجبرًا على تحملها، مرونة الروح صارت تتصلب حتّى أصبحتْ حجرا جامدًا، لا روح هنا . كيف يطلب الآخرين منّا مزيدًا من العطاء برغم ابتلاعنا للكثير من المرارة؟ كلّ ما يحدث في هذا الأسبوع من تشرين الأول، يجعلني أكره رؤية نفسي في المرآة، إنّها الأحداث المُفجعة في غزة العزيزة، لا وجه للمقارنةِ فيما أمرّ بهِ وما يمرّ بهِ الأطفال والنساء والجميع هناك … لكنّي، أريد أن أنتصرَ لنفسيَ على الأقل! العجز الذي أشعره تجاه المفجوعين يأكلني، والمواقف التافهة التي أمرّ بها عاجزةً تبتلعني، أشعرُ بالعجز والتيه الممتد من نهايات أعصابي حتى ذاتي كلها، لا شيءَ يشبهني هنا، كأنّ العالم في عالمهم وأنا في ضياعٍ لا سقفَ له، أجد الوجوه كلّها ولا أجد وجهي بل ذاكرة فائضة بما لا أريد رؤيته .

كم يبدو صعبًا طريق العودةِ للذات بعد هجرها اللامتعمّد، حال بيني وبينها الدنيا ، كم يبدو لعينًا شعور أن الحياةَ سرقت نفسي مني، استوطنها الكثير ولا شيء مما سَكنها يُشبهها، كم أبدو مفجوعةً بعدمِ معرفتي لنفسي من جديد، وعدم معرفة ماذا أريد؟ ولماذا أريد؟ ولماذا الآخرين يتوقعون منّا المزيد؟ المزيد من الصبر والتحمل؟ إنّ تدارك الأمر في أوّله أفضل من التحسف عليه فيما بعد، وأنا أريد أن أدركَ ذاتي فما خسرته يكفي. 

وكم أبدو ضعيفة، مرورَ النسيم يهزّني، فكيف العواصف؟ وكيف البشر؟ أعينهم؟ كم تلاحقني.. أو لا تلاحقني؟ لستُ أدري، لكنّي أريدُ العزلة بما أوتيت من عَدم.. فلا قوة أملك، دويّ الآخرين لا يهدأ، هذه الضوضاء لا أحتاجها، تظل تقصف عقلي .. ولا عقل لي، ولا شيء لي .

قلت لها : 

العمر مديد، والفرح صدر رحب، والأحزان ليالٍ عاتمة متى ما أردتِ لها صباحًا سيشرق صباحك، فقط قولي، إنّ السكوتَ شيطانٌ، وقَولكِ فَرَج، وصوتك يصل، ولو أسفل الحطام، وإن كنتِ الحطام، سيعود الألق، ستقرئين كلّ الكتبِ على الرفّ، و تعودين للآلةِ الموسيقية المركونة في البعيد، ويكتمل القمر، وتعوي الذئاب ويعود السّحر وتكتبين الخيال، سيعود وهج الأيامِ ودفئها في بردها وصيفها، سيصبح للطعام مذاق، بعدَ أن تجرّعتِ المرارة، وسيعود للأصواتِ رنيمها بعد أن باتت ضوضاء أبدية . 

على حافّةِ الحياة..

كانت محاولة العودة للماضي، أشبه بالذّهاب إلى الموت بقدمين واثقتين بحتمية ذلك، كلّ الذكريات حادّة للغاية، لا غاية لها سوى أن تكون دامية، كنتُ أحاولُ الوصول إليكِ بكلّ الطرق المستحيلة، حتّى تعثّرثُ حقًا وكان القدر يمنعني من ذلك، لكنّ، ومع ذلك.. آمنتُ بأن الوصول قد يجعلني أفهم ذاتي الآن، ولماذا كل الذي حدث ولمَ مجريات الأمور تقف عندي ولا تستمر… كلّ العلاقات تنهار ما إن تصل إلى باب مشاعري، فلا تصمد طويلاً – تلك المشاعر – وتعود إلى ما كنتُ أعتقدهُ (منطقة أمان وراحة) بعيدًا كل البعد عن المجازفة بقلبي. 

كنتُ أظن أنني على حق فيما أفعل، لكن لم أكن أعلم أنني اخترتُ الموت، والدتي العزيزة، كنتُ اتبعكِ في ذاكرتي، وأبحث عنكِ كثيرًا في أيّامي الخالية من عطفك الذي عرفته، أعلمُ أنكِ اخترتي الغياب منذ صغري، لكن ها أنا أختار البحث عنك وكلّما اقتربتُ أكثر زاد احتراقي، كان بإمكاني الوصول إليكِ بأمان لكن.. شاء القدر أن تسقط هذه الطائرة اللعينة في وسط الغابة، التي أعتقد لا نهاية لها، ويبدو أن الربّ يخبرني بالتوقف عن جلبكِ لحياتي التي اخترتِ الرحيل عنها، ها هو يشغلني بالضياع أكثر، هذه الغابة لا حدود لها صدقًا، وإن كان ثمة حد؟ كان الماء .. مخيّرةٌ بين أن اختار النّهر غرقًا، أو لعلها الحيوانات المفترسة ستخطط إلى حتفي بعناية في ليلةٍ لا ضوء فيها، على ذكرِ الضوء، لقد تعلمت كيف أشعل النّار… وأيضًا كيف أجعل مياه هذا النهر صالحة للشرب، بالمناسبة، إنني حامل، أو أظن أني لازلت كذلك، بعد هذا السقوط يبدو كلّ شيء على الحافة، على حافةِ عُمرٍ، على حافةِ وهم، على حافّة ذكريات، وأشد ما أراه يديك وهي تمسكان يديّ وأنا في الخامسة من عمري، نرقص في مرسمك المضيء، كنّا نضحك ، كان كلّ شيء بخير، كان الضوء حميميًا من النوافذ الطولية، وكم يهزّني البرد الآن…

إنني بين حياتين، إمّا أن أختار الطفلة الصغيرة ذات الخمسةِ أعوام، والبحث عن والدتها برغم السوء الذي قد يحدث آنذاك، أو التجاوز والمضيّ قدمًا، النجاة بحياةٍ لي وحدي، دون أن أضع حواجز عملاقة بيني وبين الآخرين، لقد خسرت ثقتي بالكثير ما إن تركتني، كنت أرى حضنك وحده نقطة الأمان الأولى والأخيرة، وكل الذي ألقاه أختارُ بنفسي خسارته منذ البداية، ما عدى (داني)، استطاع أن يوجد حياة بداخلي، أظنّني سأصارع مايحدث لأجل هذا الطفل، لعله الحب الوحيد الذي سأتمسك به حتى النهاية، لعلّي بذلك أستطيع العبور نحو ذاتي، أستطيع الاستمرار في التنّفس دون غرق، أستطيع خوض المخاض بما أوتيت من وجع، أستطيع أن أقلب صفحة الماضي مع هذا الصغير، أستطيع النجاة بنفسي دونك . 

* هذا النصّ مستوحى من مسلسل (Keep Breathing) ، أظنّه لامسني للحد الذي وجدت نفسي أكتبه من زاويتي الخاصة.

Powered by WordPress.com.

Up ↑