
سأعترفُ بأنّ الكتاب برغم صفحاته القليلة ، ولغته البسيطة، إلا أن الكثير من المقاطع التي قرأتها شعرت بحاجةٍ لأحدِ الفلاسفة بأن يساعدني في فهمها ، إنها عميقة للغاية، برغم الوضوح هي أيضًا معقّدة ! ، لا أعرف كيف أشرح هذا لكن، في المجمل الكثير مما يواجهنا ونواجهه في الحياة كُتبَ هناك .. وكم يبدو أن تكون حرّا صعبٌ للغاية.
فالتحرّر من وجهة نظر نيتشه ليس من الآخرين، بل ، من الانسان نفسه .. كيف يتحرر من أفكاره ومعتقداته الخاصة وأنانيته المفعمة؟ حتى وإن أظهرَ عكس ذلك، ثمة تشبث لا ملحوظ في عاداتنا، أفكارنا التي كبرنا عليها ، لعلها ليست صحيحةً، لن أقول كلّها بل بعضها، مشاعرنا، كيف نتحرر منها ؟ الانسان الحرّ حقًا، لا يقيّده الكره أو يعلّقه الحب، لا يتحيّز أو ينفر .. فهوَ حُرّ طليق من كل شيء ، كل شيء.
ومن بابِ الإنسانيةِ؟ فلا تخولنا (معرفةً) ما بأحدٍ ما أن تكون لدينا صلاحية في تقييم أفعالهم وقراراتِهم فلسنا نحن من كنا في مواقفهم آنذاك وكم يسهل التعليق على الآخرين من البعيد .. طالما لا يطالنا شيء من واقعهم وحياتهم .
”معرفةَ إنسان بشكل عمليّ ومهما كانَ قريبا منا لا يمكن أن تكونَ كاملةً، بحيث نستطيع امتلاك الحق المنطقي في تقييمه بدقة ؛ إن جميعَ التقييماتِ موجزةٌ ويجب أن تكونَ كذلك ، ثمّ إن المعيارَ الذي نستخدمهُ في القياسِ ليس كمية ثابتة؛ إذ لدينا أمزجتنا واختلافاتنا، ومع ذلك لابدّ لنا من تعريف أنفسنا كمعيار ثابت لنستطيع تحديد طبيعة علاقة أي شيء بنا . “
ـــ فريدريك نيتشه
فمثلًا مثلًا، أن تقول لإنسانٍ تظنّ أنّك تعرفه بناءً على كلام الآخرين عنه، أنّهُ باعَ أرضه ، بينما أنت لا تعلم ماضيه ولا تاريخ تلك الأرض، أنت مُغيّبٌ عن الحقائق، بل إن الحقائقَ جاءتك مُلوّثةٌ بسارقي تلك الأرض، إن الحقائق لا يعلمها إلا الله وأولئك الشهداء الذين سقطوا على أرضهم .. التي لم يساوموا عليها ، فنحنُ نرى اليوم، من الذي يقف مكتوف اليدين، ومن الذي يظل صامدًا فوق أرضه ، تُذبح نساءه أمام عينيه، ويموت أطفاله أسفلَ منزله، تحتَ القصفِ والطغيان، ويشيخ بوجع مديد وحرقة لا تنقضي إلا بعودة الأرض لأهلها ، أن تقول لهذا الانسان، أنّه رضى بذلك وسكت أمام الأموال، تلك هي اللإنسانية في حينِ أنّه يتجرّع الدم والجثث والبارودَ منذ الطفولة .
إنّ العالمَ الغربيّ اليوم ، وعلى رأسهم نيتشه، هذا الفيلسوف المتحذلق، قد أثرّ على حضاراتنا ووجودنا وثقافتنا، قد أثرّ علينا فظننا أنّ العالم الغربي هو العالم الإنسانيّ، الذي يخلو من فضائع اللاإنسانية، بينما اليوم هم من يمارسون ذلك على فلسطين الأبيّة والشعوب الحرّة …
” من سمات الحضارة المتقدمة أنها تنمو بما هو أدنى . “
ـــ فريدريك نيتشه
في حينِ أنّ حضارة الغرب المزعومة، تنبذ كلّ ما هو أدنى، في صراعهم المستمرّ مثلا مع أصحاب البشرةِ السوداء باعتبارهم أشخاص أدنى ، فالسمو مربوطٌ ببياض البشرةِ واحمرار الخدين ..
” الجمال العقلاني ينتشرُ ويتعمقُ على الدوام ، ويجب أن يكونَ الجانب العقلاني والداخليّ لكل الأشياء ذا أهميةٍ أكبر بالنسبة لنا من أكثر الصور الخارجية روعةً وجمالاً“
ـــ فريدريك نيتشه
في حين تهميش العقول العربية ووصفها بالبدويةِ الجاهلة، هيَ نهجهم في تصنيفنا بلا انسانية، إن العلوم كلّها سُرقت من الشرق الأوسط، وإن العقول الجميلة لا تزال تصارع الغرب الجاهل، الذي يظن دائما أن تصنيف الناس بيده، هذا عربيّ ، هذا أسمر، هذا بدويّ ، هذا أسيويّ … ولكن الله كرّم الإنسان بآياته في قوله تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) .
فالتقوى، هي العقل، الذي ميّزنا الله به ، وحرمه من الغربِ الفاجر …