قراءَة لـ رَغْوَةٌ سَودَاء

أغمضَ عينيه، وقد شعرَ بروحهِ رغوةً تطفو على السطح – حجي جابر

لا يمكنني تحديد متى كانت آخرَ مرّة تأثرتُ فيها جرّاء قراءتي لرواية، وذلك كما يبدو أنّه منذ زمن بعيد للغاية، ازددتُ تعلقاً بالرواية تدريجياً حتى سحبني جوفها الأسود للأعماق دون انقطاع وصولاً للنهاية، وددتُ ألّا أرى النور! فقد كان شعاعُ الخاتمةِ مدوياً ومؤلمًا جدّاً إلى حد البكاء. 

الحكاية كيفَ مضت برشاقةِ قلم الكاتب بين (داود وداويت وديڤيد) كَحَلَقةٍ تُعيد نفسها بكاملِ الهرب الأليم نحو الأمل المزعوم ثمَّ التشظي -حد الموت- على طرقات المهجر . انسيابية السرد وانسانيةَ المحتوى كانت قوةً تشدّ كامل حواسي لإكمال الرواية بتلذذ حتى آخر قطرة، إنها حقًا رائعة وإن وصفتْ حالاً مضنيًا وحياةً بائسة.   

”الإرتريّ لا يعرف الغضب، هو يحزن وينكسر وينزوي فقط، لكنّه لا يغضبْ. الغضبُ ترفٌ عندَ المغلوبين، بينهم وبينه سياجٌ من الإذلال والإخضاع. الغضبُ فعل إرادة، والمغلوب منزوع الإرادةِ والقرار.“ ــــ حجي جابر 

سيبدو الأمر غير عادل أنّ أختارَ اقتباسًا واحدًا، الرواية مليئة بالوقفات والتأمّل، لها أبعادَ نفسية كثيرة.. إن لم تكن إرتريًا، وإن لم يشِر الكاتب إليك، فهو بطريقة وأخرى يصف حالاتك أيضًا، أوجعها وأكثرها راحَة، أحزنها وأشدّها سعادةً، سيصف اضطرابك واستقرارك أيضًا .. ويمكنك لوهلةٍ أن تتقمص كلّ أدوارها لفرطِ واقعية هذه الرّائعة الأدبية. 

قراءة لـ المزدوج

”غالباًيفقد السيطرة على نفسِه قليلًا كلما كان عليه أن يواجهَ أحدًا ليحدّثه عن شأنٍ من شؤونه الخاصة، فإنه، في هذه المرّة أيضًا، ونظرًا إلى عدم تحضيره مسبقًا للجملةِ الأولى التي بالنسبة إليه مفتاح لكل ما سيأتي بعدها، اضطربَ تماماً وأخذَ يتلعثم ويتمتم بكلام – قد يكون نوعاً من الاعتذار -،  ولأنه لم يدرِ كيف يتصرف إثرَ ذلك فقد لجأَ إلى أوّل مقعد صادفه وجلس. ولكنه سرعان ما انتبه إلى أنه جلس دون أن يُدعى إلى ذلك، فقامَ من على الكرسي على الفور كي يصحّح خطأه الذي يتنافى معَ قواعد الآداب الاجتماعية المتعارف عليها . لكن سرعان ما تراجع عن فكرتِهِ بعد أن شعرَ أنه إذا ما وقف فإنه سيرتكب خطأ آخر. وقرّر أن يرتكبَ خطأً ثالثا حين حاول أن يفسّر ما أقدمَ عليه …“ ـــ دوستويفسكي

هذه المرّة الأولى التي أقرأ فيها لـ دوستويفسكي ، لطالما مرّت أمام عيني الكثير من الاقتباسات المذيّلة باسمه، وكانت اقتباسات غالبًا صائبة وعميقة، ليست على نحوٍ عاطفي وحسب ولكنّها أيضًا واقعية إلى حدّ غريب.. ذلك أنّ الكتابةَ والأفكارَ في أي عام و قرنٍ كانت، فهي تظلّ حيّةً حتى وإن مرّ عليها الزمان بأقدامَ وعكاكيز… 

قررتُ القراءة له من هذا المنطلق وأظنني كنتُ موفقةً في اختيار (المزدوج) التي نُشرت في عام ١٨٤٦ م ، يتحدث فيها عن بطل الرواية السيد (غوليادكين) وازدواجيته أو فلنقل أيضًا جنونه! سترى الشخصية أمامك بل وقد تثير غيضك لمحاولة فهم مايجري لفرط الازدواجية وتقلّب الآراء وكذلك قد تتخبط مع السيد غوليادكين في كلّ عثراته النفسية واضطرابه الجليّ . 

يمكنكم فهم ما أقصده تماماً في قراءة الاقتباس أعلاه، كيف أنّه قد يتصرف بشكلٍ عفويّ ثمّ يتساءل ما إن كانَ ما فعله أمرٌ مُناسب وأيضًا قد يبدّل رأيه في الثانية التي تليها بشكل مختلفٍ تمامًا تجعل القارىء ربما يضحك أو يشعر بالشفقة عليه، أو لعلّ القارىء يشاركه الشعور ويغرق في التيه نفسه والاضطراب في اتخاذ قرار بسيط كالجلوس على مقعد ! 

يؤسفني أن النّهايةَ ربما كانت مفتوحةً، أو أنها قُفِلتْ ولكن بشكل عاجل حتى بدت أن الفكرةَ كما لو أنّها لم تكتمل، أوّد لو أن العمل يصبح فيلمًا.. كنتُ أستطيع رؤيةَ المشاهد في خيالي باندماج شديد، لكنّها كلّها أحداثَ بطيئة للغاية، قد تُصاب حينًا بالملل أثناءَ قراءتها، وحينًا قد تجذبك المزيد من الصفحات لمعرفة النهاية.

” سأُطلِعكما على مبادئي في الحياة : الصمود عند الاخفاق،  المواظبة عند النجاح؛ الابتعاد عن الدسائس، وعن تدبير المكائد…“ ـــ دوستويفسكي

برغم اضطرابه، ثمة الكثير من الحكمة التي تفوَّه بها السيد (غوليادكين)؛ الأمر الذي يجعلك تصدق مقولة ”خذوا الحكمةَ من أفواه المجانين“  برغم نفور الناس من حوله واشمئزازهم من غرابة تصرفاته، كان حكيمًا في مواضعَ مختلفة. 

ختامًا، أحيانًا أتمنى قراءةَ العمل بلغته الأصلية لا عن ترجمة، أظن ثمة بريق يُفقد من الرواية حينما يكون أسلوب الكاتب مُشترك مع المترجم. 

قراءة لـ العالق في يوم أحد

” كلّما اقتربتْ الساعة من الثانية عشرة ليلاً، فكّرَ في القفزِ من نافذة الأحد،وليحدث مايحدث، غيرَ أنّه في الحقيقة يخاف أن يرتطم بالجمعة. ــــ عبدالله ناصر

“   

 لعلّها (مجموعة قصص قصيرة) أو (خواطر) لم أستطع تصنيفها تمامًا،هي مجموعة نصوص مختلفة لا تتجاوز الواحدة منها صفحتين، أُعجبتُ (بسيريالية) الأفكار إن كنتُ سأكون دقيقة في وصفها بكلمة، أنّ ثمّة الكثير من الأوجه اللاواقعية لمشاعر وأفكار الكاتب، لكن في المقابل كانت الرمزيّة عالية المقدار في نصوص كثيرة لدرجة الوصول إلى انعدام المعنى أو بُهتانه، ذلك ما يضطرّ القاريءَ أن يعيد التأمل في نهايات النصوص أملًا لفهم ما يرمي إليه الكاتب أو رغبةً في الوصول إلى نقطةِ ختامٍ قد تجمع إبداع لغةِ الكاتب في وعاء مناسب دون أن تفيضَ العُقدُ الكثيرة التي حبكها إلى حدّ التسرّب مباشرةً من ذاكرة القاريء دون أن تتركَ أثرًا .

الغموض جيّد في مواضعَ اختارها، لكن كان زائدًا عن الحدّ في أغلب النصوص، يحضرني كثيرًا قول غسان كنفاني : ( ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقدة، وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة، إنّ الانحياز الفني الحقيقي هو : كيف يستطيع الانسان أن يقولَ الشيء العميق ببساطة!) .

لن تكون قراءة أخيرة للكاتب المبدع عبدالله ناصر، فلغته جميلة وأسلوبه جاذب وتودّ لو تفهم تمامًا الصورَ السيريالية التي ألّفها بحرص تامّ في مجموعته، مع خالص تمنيّاتي له بالابداع المستمرّ.  سأختم قراءتي باقتباسٍ أعجبني من نصّ (الآخر)، : 

   

”   يخافُ المرآةَ إلى درجةٍ لم يعدْ يتوقف أمامها حتّى عندما يغسل أسنانه، أو يحلق ذقنه، خصوصًا عندما يحلق ذقنه. يخاف، وفي يدهِ موس الحلاقة، أن يلتقي بالرجلِ الذي خرَّبَ حياته. ـــــ عبدالله ناصر 

                               “   

 

 

 

 

 

 

 

Radioactive (Movie)

“

Pierre Curie : You changed the world.
Marie Curie : In the right way?
Pierre Curie : I’d rather be someone that hopes the world full of light than fears for the darkness out there, wouldn’t you?
Marie Curie : But I…
Pierre Curie : You threw a stone in the water. The ripples, you can’t control. There are things to be scared of, but there’s so much to celebrate.
Marie Curie : I hope you’re right. I hope you’re right.

”

                                                                                        Quoted from Radioactive Movie  

Radioactive (2019)

ككلّ شيء في هذا العالم، ثمّة وَجهين، أحدهما مرعب والآخر فاتن، أحدهما حادّ وقاتل والآخر قد يكون علاجًا ! تخيّل أنّ تكتشف مادةً يمكنها القضاء على مدينةٍ كاملة، بسكّانها ومقاهيها وأماكنها والذكريات، بأطفالها ونسائها ورجالها،والمادة نفسها يمكنها إنقاذ حياتهم أيضًا!

المفارقة صادمة، لكنّها حقيقة، ماري سكوودوفسكا كوري – (7 نوفمبر1867 – 4 يوليو1934) ، عالمة الفيزياء والكيمياء البولندية ، اكتشفت مع زوجها بيار كوري عنصري البولونيوم والراديوم، الفيلم يصوّر مشاهدَ مختلفة عن حياتِهما، كانَ المشهدَ العلميّ فيه أكثر من غيره .. لكن أيضًا، تضمن بعض المشاهد التي نواجهها اليوم، مثلًا الحِراك النسوي وحق المرأة، كانت ماري أول امرأة حائزة على جائزة نوبل ، قد واجهت بضع تصادمات مع المجتمع آنذاك لكنّها في آخر المطاف اختارت لهم عَرض الحائط وسددتهم نحوه ، ونجحت في تحقيق العديد من الانجازات.

أحد انجازاتها هو وضع نظرية للنشاط الاشعاعي، وجميعنا يعلم ما حدث في مدينة هيروشيما اليابانية، تحت أثر قنبلة اليورانيوم التي أسقطتها الولايات المتحدة على اليابان ، كان قلق ماري يكمن في أنّ العالم قد يتخذ من هذا الاكتشاف جانبه المظلم، لكن أيضًا كان ثمة سطوع في دراسة أجرتها لمعالجة الأورام السرطانية بالمادة نفسها التي أنهت حياة الكثيرين. 

 

أعجبني الفيلم في تسلسل أحداثه وترابطها حتى في اختلافها الزمني كان انسيابيًا للغاية، لم يكن وثائقيًا بحتًا برغم توثيقه لأحداث حقيقية، كان ثمّة لمسة فنية مُلفتة في كلّ مشهد .. ذلك ما شدّني لمتابعته للنهاية، الموسيقى التصويرية، السيناريو، كلها أعطت أبعادها التي يمكنها أن تُسقط المشاهد في عُمقها .

 

  ”

بيار كوري :  لقد غيرتِ العالم .
ماري كوري : بالطريقة الصحيحة؟
بيار كوري : أُفضّل أن أكون شخصًا يأمل أن يكون العالم مليئًا بالنور بدلاً من الخوف من الظلام هناك، أليس كذلك؟
ماري كوري: لكني …
بيار كوري : رميتِ حجرًا في الماء.  التموجات، لايمكنكِ السيطرة عليها. هناك أشياء يجب أن تخاف منها ، ولكن هناك الكثير للاحتفال به.
ماري كوري : أتمنى أن تكون على حق. أمل أن تكون محقا.

“    

مقتبس من الفيلم

قراءة لمباريات الجوع

 
Zhrida.com

توقفتِ الأرض عن الاهتزاز بعد مرور زهاء دقيقة من الزمن. انقلبتُ على جنبي وسمحتُ لنفسي أن تستمعَ بلحظةٍ من الارتياح لمنظر ذلك الركام المشتعل الذي كانَ هرمًا قبل لحظاتٍ قليلة.

سوزان كولنز

في الحقيقةِ لم أظن أنني سوف أستمتع بقراءة هذه الرواية، بالنّظر إلى عدد الأجزاء يتبعها عدد الصفحات الكثيرة، لكن ما إن بدأتُ بالجزء الأول حتى وجدت نفسي في نهايات الجزء الأخير، سوزان كولنز، برغم الخيال الخصب الذي اختارته نبعًا لكلماتها وأفكارها، إلا أنّني وجدتُ من الألم والمأساة ما يقارب الواقع… حتى وإن كان هذا الواقع بعيد كلّ البعدِ عنّي، لكن نحنُ ما إن نقف أمام نشرة أخبار العالم حتى ننصدم بالواقع الذي يحدث للبلدان الفقيرة أو تلك التي قضمتها أنياب الحرب الشرسة غير مصدقين بشاعة مايحدث على مدى السنوات، ننصدم لجبروت الآخرين الذي يجدونه امتيازًا وقوّةً في انتهاك حقوق الشعب البسيط، حتى وإن كان حقه قِطعة رَغيف، تلكَ الارغفة المحترقة التي رماها (بيتا) أحد أبطال الرواية باتجاه (كاتنيس) التي تدور حولها الرواية، هناك بدأت قصّتهما.. حينَ تعمّد بيتا حرق ارغفةِ الخبز، فتغضب .منه والدته بشدّة ويستطيع الهرب منها وصولاً إلى كاتنيس التي انتفضت أمام مخبز أسرة بيتا جوعًا.

فاحت رائحة الخبز الطازج عندما مررت أمام المخبز. كانت رائحة قوية بحيث شعرت بدوخة. كانت الأفران في الجهةِ الخلفية من المخبز، لذلك تمكنت من رؤية الوهج الذهبي اللون من خلال باب المطبخ المفتوح. توقفتُ مشدوهةً بفعل الحرارة، ،الرائحة الزكية، حتى تدخل المطر وأجبرني على العودة إلى الواقع بفعل قطيرات الماء الباردة التي تسللت إلى ظهري.

سوزان كولنز

لطالما اخترتُ قراءة الروايات التي تمثّل واقعًا معين دون الخروجِ عن المألوف أو خوض بحر الخيال غرقًا ، اخترتُ الغرق في هذه السلسلة الجميلة وبالفعل كان ذلك ليس سيئًا أن نخرج من عالم إلى عالم آخر تمامًا بكلّ الفانتازيا التي ترسمه والتراجيديا التي تجعله عميقا يصل إلى القلب مباشرةً.

Powered by WordPress.com.

Up ↑