قِراءة لــ تولستوي

يجب أن يكون المرء أكثرَ وحدةٍ مع نفسه ومع الله، وألا يلعب بسرة الكون. يجب أن يبعد عنه كل ما يدفعه إلى الاضطراب والشرود، كل مايدفعه إلى التكبر والغرور والانسياق وراء المجد الزائف وعدم الاخلاص. يُفضّل أن أرمي بكل هذه الأشياء في المدفأة، كيلا أبعثر نفسي وأُدخِلَ إليها خطيئةَ الكبرياء ـــ ليو تولستوي

 

هذه المرّة الأولى التي أقرأ فيها (سيرةَ شخصية)، وكذلك هي المرّة الأولى التي أقرأ فيها للكاتب ستيفان سفايغ، قبل البدء بتفاصيل الكتاب.. يبدو أني سأبدأ باقتناء المزيد من إصدارات ستيفان، لكن غالبًا ما ستكون رواية وليست سيرة شخصية،اكتشفتُ أنّي لا أميل كثيرًا لهذا النوع من الكتب و محاولة الحضور في تاريخ شخصيةٍ ما؛ أسلوب الكاتب مميز للحد الذي بدّد شعور الملل في قراءة هذه السيرة ، اختار الكاتب شخصية ليو تولستوي للكتابة عنها.. في أحدَ عشر فصلاً تمّت فهرسة حياة تولستوي، الفنّان والمبدع ،المفكّر والمتدين، الملحد أحيانًا والانسان، الكتاب برغم صفحاته القليلة وجدته متشعب للغاية ولكن بصورةٍ مُحكمة ، بل تحت كل عنوان تجد تمامًا ما رصده سفايغ عن حياة تولستوي (أعظم روائيي القرن التاسع عشر).

صوّرَ (سفايغ) مدى تأرجح حياة تولستوي بين الفنان المبدع والمفكّر الحاذق وبين الانسان الذي يبحث عن الله ويرتاب الموت، حتى أنّه يذكر دائمًا حدّة عينيه في فهم صور الحياة المختلفة بنظرةٍ أشد عمقًا وفهما للأمور، وكم كان يؤلمه في الجانب الآخر.. أنّه إنسان يحتاج عزلته وانقطاعه في كوخٍ ما ولا يريد كلّ هذا المجد الذي يحيط به من كلّ جانب، يخنقه حينًا وحينًا يشعر بالزهوّ به، يعترف أنّ مشاعر الكبرياء التي يشعر بها في عظمته وقوته  وذكائه من الشيطان.. فيهرب من نفسه كارهًا ذاته هذه باحثًا عن (جنيّه الأخلاقي) كما يصفه سفايغ… (إن السيرَ المنتظم للإنضاج الفنيّ لا يتعرقل أبدًا بدراسة الأنا النقدية.. والحارس القاسي، المتيقظ أبدًا، المنتصب في جبروت أمام الشخصية الأخلاقية، يبتعد وهو يغفو، تاركًا للفنان حريّة حركاته، موّفرًا له انطلاق حواسه التام… وتأتيه الشهرة في تلك السنوات، فيضاعف ثروته أربع مرات، ويربّي أولاده وينشئهم، ويزيد في اتساع بيته. ولكنّ الاكتفاء بالسعادة، والاغتذاء بالمجد، والشبع بالخيرات، جميعها أمور يستحيل استمرارها بالنسبة إلى هذا (الجنيّ الاخلاقي) فهو يعود في كلّ مرّة كل خلق شخصية أدبية، إلى عمله الأساسي، إلى إنضاجِ كماله الخاص….)

مرّ تولستوي بقلقٍ طويل بعد خمسين عامًا من عمره، كانت ترعبه فكرة الموت دائمًا دون الوصول إلى حقيقةٍ ثابتة تجعل عقله يهدأ، وكلّما تقدم في العمر صار يزعجه حضور الناس الدائم في حياته، ففنان كــ تولستوي، محاطٌ باستمرار بالصحفيين والكتاب والمعجبين .. كانوا كالحائط المتين بينه وبين نفسه التي تبحث باستمرار ولا تكلّ عن الوصول عن معنى، فيقول سفايغ ببراعةٍ يصف فيها هذا العملاق : (هذا الكائن الذي لم يُروَّض قط، والذي يُمزّقه الرعب الآن ويُذيبه الخوف في قلبِ الحياة، وهو في منتصف الطريق بعد، يرتمي بكلّ تواضع، على حينِ غرةٍ أمام الله، ويخلع عنه في ازدراءٍ علمه الدنس الذي أسعده دون حساب طوال خمسين عامًا، ويروح يترجّى، جامحًا، انبثاق إيمان في باطنه : “أعطنيه يا رب، واسمح لي أن أساعد الآخرين في العثور عليه” !)

” ليسَ الكمال الأخلاقيّ الذي يبلغهُ المرء ما يهمّنا، بل الطريقةِ التي يبلغه بها..“

ــــ ليو تولستوي

إنّ إنسانًا نبيلًا وفنانًا مبدعًا هي الصورة الأسمى للانسان برأيي، وهذا السمّو وجدتهُ في تفاصيل حياة تولستوي – التي نالت منها الهفوات بلا شك – لكن المُجمل، أن تولستوي كانت فكرة الموت نصب عينيه دائمًا ، في قلقٍ وارتياب.. ذلك الذي دعاه ربما للنظرِ في كلّ أفعالهِ قبل الاقبال عليها ، والتأني في أقواله بل ربما الصمت عوضًا عنها، فكان يجد (كل أزمةٍ هي هدية من القدر إلى الانسان… وهكذا يتحقق أخيرًا في موقف تولستوي الروحي من الكون وفلسفته، تمامًا مثلما حدث في فنّه، توازن جديد أكثر ارتفاعًا وسمواً … إن المتناقضات تتداخل، والنزاع الرهيب بين الرغبة في الحياة ونقيضها المفجع، يُفسح المكان لتفاهمٍ حكيم متوافق…) .

إن أثرَ الفنّان يبقى بل وينتقل عبر الأزمنة .. فكيف بالفنان المُفكّر؟ لا أخفيكم رغبتي الشديدة بشراء روايات تولستوي والبدء بالابحار في الشخصياتِ التي خلقها بفلسفته الفكرية وفنّه المبدع في آن واحد.

قراءة لـ أمّة الدوبامين

بسبب الاكتئاب والقلق، من بين العديد من الأشياء التي تحدثنا عنها، أخبرتني أنها تقضي معظم ساعات استيقاظها متصلة بوسائل التواصل الاجتماعي، كاليوتيوب والانستغرام والاستماع إلى البودكاست وقوائم التشغيل. في جلسة معها اقترحت عليها أن تحاول المشيّ دون الاستماع إلى أي شيء وترك أفكارها تطفو على السطح ـــ آنا ليمبيكي.

 

دعونا نعترف أننا في زمنِ ملاحقة التوازن، وأنّ العالم كله، من شرقهِ إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه يتداعى… لستُ سلبيةً إطلاقًا، بل كلّ من يعرفني لطالما يبدأ بإطراء تماسكي وتفاؤلي المستمرّ، لكن.. أنا أشعر بعدم التوازن وكتاب (أمة الدوبامين) للكاتبة والطبيبة (آنا ليمبيكي) ساعدني في فهم ذاتي التي تُفرط في فعلٍ ما بحثًا عن روعة الدوبامين وهو يملأ خلاياي العصبية ويهدّئ من سعيي للتوازن المزعوم. صحيحٌ أنّ ٧٠٪ تقريبًا من الحالات التي رصدتها الطبيبة النفسية في كتابها كان افراطهم في شربِ الكحول وتعاطي المخدرات سعيًا لشعورٍ مَا وذلك ما لا يتناسب مع مجتمعنا، لكن فكرة الإدمان تمتدّ أيضًا للافراط في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي والتعرّض للكثير من المعلومات والتفاعل المستمر في هذا العالم اللاواقعي تجنبًا للعالم الحقيقي ومايحمله من ألم أو ملل، الافراط في التسوّق الالكتروني والحصول على كل شيء بضغطة زر، الافراط في التباهي بالممتلكات كما لو أنّها الصورة العميقة للذات بينما كلّ ما يُلبس ويؤكل ويتم التباهي به بشكلٍ مفرط لهي سطحيةٍ تجرّ أصحابها في دوامة الحصول على كلّ ما هو باهظ وثمين لسدّ النقص والحاجة للشعور بالوجود (أنا أملِك إذًا أنا موجود)، هي جملة هذا العصر التافه .

”

أسهمتْ وسائل التواصل الاجتماعيّ في مشكلة الذات الزائفة، فقد سهّلت  الأمر علينا،وشجعتنا على نظم وتنسيق رواياتٍ عن حياتنا البعيدة عن الواقع. ـــ آنا ليبمبيكي 

وبغض النظر عن أننا انغمسنا بإفراط في هذا العالم الماديّ، أصبحنا لا نحتمل البقاء دونه، فهو العالم الذي يُشعرنا دائمًا بالسعادةِ والتحفيز، لقد نسينا شعور الملل الذي يمكنه في نهاية المطاف يجعلنا نُفكّر، ونصبر على تكوين فكرةٍ ما وإخراجها بشكلٍ مبدع أو يُقارب الابداع على الاقل… أصبحنا متفرجون وأدمغتنا تعفنت حرفيًا تحت وطأة المعلومات الكثيرة والسطحية لأنها – تلك المعلومات – تمنحنا شعورًا خفيًا بالخَدَر واللذة، ولكن لها تأثيرها المرعب على المراهقين بشكل خاص وبعض البالغين ما يجعل أفكارهم تقترب من الاكتئاب المستمر،فأصبحت فكرة النجاح ليسَ ما يُحصد بجهد صاحبها.. أصبحَ نجاح هذا العصر أن تحصل على حياة مرفهة ، (كيف يزيد رصيد حسابي البنكي٫ هل أظهر بمقطعٍ عابر قد يمتطي موجة (الترند) وأصبح مشهورًا ومن ثم ثريًا؟) كل هذه الافكار سمعتها ولمستها من مجتمعي القريب .. أليس من التفاهة أن تسمع فكرة كهذه حصولًا على المال؟

”

تدفعنا وسائل التواصل الاجتماعي إلى الميل نحو الشعور بالعار من الذات، من خلال دعوة الكثير من التمايز البغيض إلى حياتنا اليومية. نحنُ الآن نُقارن أنفسنا ليس فقط بزملائنا في الفصل، وجيراننا، وزملائنا في العمل، بل نقارن أنفسنا بالعالم بأسره، مما يجعل من السهل جدًا إقناع أنفسنا بأنه كان علينا فعل المزيد، أو الحصول على المزيد، أو العيش بشكلٍ مختلف. ـــ آنا ليمبيكي

هذا وجه من الوجوه الكثيرة للافراط في فعلٍ ما أو فلنقل (الإدمان) للحصول على لذة قصيرة الأمد، كيف يمكننا أن ننجو من الانغماس المفرط والغير صحّي فيما نتخذه مسكنًا لمواجهة الحياة الحقيقية ؟ كيف نحقق التوازن الذي نُريد ؟ كلها أسئلة قد تجد إجاباتها في هذا الكتاب ، أنصح بقراءته.. كان ممتعًا بحق. 

قراءَة لـ مكتبة منتصف الليل

كانت لديّ كل الفرص لاستغلال حياتي، ولكنّي أضعتها. بسبب إهمالي وسوء حظي، لقد انسحب العالم مني، ولذلك فإنه من المنطقي أن أنسحب منه الآن  ـــ مات هيغ

يصف الكاتب (مات هيغ) شكلَ الحياة حين تملأها مشاعرَ الندم والحيرة، أكثر شيءٍ قد يواجه البشر اليوم هو عدم معرفتهم تمام المعرفةِ بماذا يريدون حقًا ؟ وهل لابدّ من  بناء استراتيجية معينة لتحفظ الانسان من تيّار الرغبات الكثيرة ؟ 

”

” إنْ تَقَدّمَ أحدنا بثقة ” كتبَ ثورو في كتابه والدِن “باتجاه أحلامه، ليعيشَ الحياة التي تخيّلها، سيلتقي بنجاحٍ غيرَ متوقع في ساعاتٍ عاديّة.” يعتقد ثورو أيضًا أنّ النجاحَ هو نتيجة للعزلة. “لم أعثر على رفيقٍ أستطيع تحمله أكثر من العزلة” . ـــ مات هيغ

“

كان ذلك أكثر اقتباس تقاطع مع أفكاري ، وأيضًا ، يتقاطع مع مفترقِ طريق تحقيق الذات و المضيّ نحو ما نحلم به حقًا أم ما ننجزه وفقًا للمعطيات والروتين والمجتمع  والصورة التي يبنيها الجميع لك وأنت تقف بعيدًا تتفرج على صورتك يرسمها الجميع ولا تقارب شيئًا من ملامحك.  

فكرة الرّواية رائعة ، أقرب لأن تكون خيالًا علميا، تخيّل أن تختارَ كتابًا ما وتبدأ قراءته وتجد نفسك تعيش تلك الحياة بين دفتيّه؟ خصوصًا أنّ (نورا) البطلة قد لازمها النّدم طيلة حياتها لأمور كثيرة مختلفة… وآن الأوان الآن ؛ لتجربة تلك الحيوات كلها لتزيح ثقل النّدم المستمر تجاه الأشخاص أو الوظيفة أو الأحلام ؟

اخترتُ الرواية للأمانة بناءً على اسم المترجم (أ.محمد الضبع) وسُعدتُ كثيرًا في الغرقِ في لغتها العميقة ، فأحيانًا بعض الكتب المترجمة لا تصل إلينا مشاعرَ الكاتب الحقيقية تماماً فتكون كلّ المشاهد جامدةً بفضل المترجم، والعكس تمامًا في قراءتي لترجمة (الضبع) فالمشاعر عميقة وجارفة أحيانًا .

تحدث الرواية في في المدة الزمنية ما بين منتصف الليل حتى الدقيقة الثالثة بعد منتصف الليل وأجزاء من الثانية .. إنها مدة قصيرة جدًا لكنها كفيلة بأن تجعلك تعيش تفاصيلَ لا تتخيلها … 

”

من السّهلِ تصوّر أنفسنا من خلال عدسات الآخرين، وتمنّي التحول إلى كلّ النسخِ المتغيرة التي أرادها لنا الآخرون. من السّهل الشعور بالنّدم، والاستمرار في ذلك، إلى ما لا نهاية ، حتّى يفرغ الوقت. ـــ مات هيغ

“

قراءة لـ (شهر العسل)

المرّة الأولى التي أقرأ فيها لنجيب محفوظ ، كنت مسبقًا قد بنيت توقعات لضخامةِ هذا الاسم أدبيًا، تخيّلت لغته صعبة ولفرطِ بلاغتها لا تُفهَم، لكن كان عكس توقعاتي .. بل أجمل من تلك التوقعات بكثير! ، كتاب شهر العسل عبارة عن مجموعة قصص قصيرة ، وجدتها ملائمة للتمثيل المسرحي أو حتى للأفلام. نجيب محفوظ يستطيع أن يجلبك للمشهد وتكون المستمع للشخصيات والمُشاهد والمُتفاعل أيضًا، بساطة لغته وذكاء النهايات يجعلك تريد أن تعيد قراءة القصة مجددًا لتحظى بشعور الدهشةِ في الخاتمة مرّة أخرى. 

أحببتُ كثيرًا قصة (فنجان شاي) تقع في الصفحةِ واحد وسبعين، ومنها أتخذُّ هذا الاقتباس كصُدفةٍ موجعة وحقيقيّة تحاكي أحداث هذه الفترة المؤلمة فيما يفعله الاحتلال الصهيوني البشع في غزّة : 

” لا مكان إلّا لنوعين من الانسان ،واحدٌ يقاتل بقلب ملؤه الشرّ، وآخر يقاتل بقلبٍ ملؤه الخير . “ 

فلا تتخيل، بل يحدث فعليًا، أن هذين النوعين اجتمعا، وقبضة الشرّ تعيث في الأرض جراحًا كثيرة، يشدّني الكاتب التي جملته لا تنتهي في زمنهِ، بل تستمر، تصف الأزمنة الأخرى حتى ولو بعد عقود من الزمان ، إن ما يجعلنا نبحث عن الكتّاب القديمين هو ضحالةِ ما يُكتب الآن، لا أُعمّم هذهِ الفكرةَ لكن، لماذا ذكرتُ في الأعلى أنني قد بنيت توقعات ما قبل قراءتي لنجيب ؟ لأن الآن يبدو الأدب لدى الكتّاب الذين يمارسون (الحشوّ البلاغي) هكذا، الصّعب المُريع،  فتقف عندَ جملة تتكون من أربع أو خمس كلمات تُفقدك عقلك لصعوبة تأويلها، كما لو أنّ كلما زادت عضلاتك اللغوية والبلاغية كنتَ كاتب هذا العام ، ولفرطِ صعوبتها سوف تُنسى وتنسحب تلك العُقد من ذاكرتك مباشرةً، بِخلافِ أن يأتيك كاتب مثل نجيب بسطر بسيط يُعبرّ فيه عن فكرةٍ ما ويجعلك ترى هذا يحدث الآن ، رغم أن الجملةَ مضى عليها ثلاثة وخمسين عامًا ولا زالت حاضِرة . 

”  إنَّ الغَرقى في ذمَّةِ المتفرجين …. “  

لا أعرف كيف أصف هذا الاقتباسِ حقًا لكنّه بدى لي كالحقيقةِ التي لا أريد ابتلاعها وأختنق بها أصلا، كم مرّة قرأتُه وأحسستُ أنّي في مجموعةِ المتفرجين؟ إن العجزَ الذي يستبدّ بي تجاه القضية الفلسطينية يجعلني فعلًا أرى الغرقى.. الغرقى بدمائهم يستنجدون الجميع، والإغاثةَ عالِقة، والغيض يحتشد في حناجرنا .. والدّمع لا يُسعف أحدًا. 

واقعية اللغة وذكاءها كانت حاضرة بجمال وهدوء في هذه المجموعة، بل تشجعتُ لاقتناء المزيد لـ نجيب محفوظ، يمكنك الانتهاء من قراءة مؤلفاته في وقت قصير لخفّة المحتوى وثقلَ الفِكر في آنِ واحد . 

قراءَة لـ يَافا

حسنًا، في بادىء الأمر كنتُ سأتوقف عن قراءةِ الرواية لحظةَ أن عرفت أن “يافا” ليستِ المدينة، وأنا ظننتُ الرواية أو فلنقل “الخواطر” كُتبت عن المدينة حُبًا في قراءةِ فلسطين من عينٍ فلسطينية..تزامنًا مع الأوجاع التي تحدث حاليًا في غزّة . لكن، للأسف كان العنوانُ شيء، وكذلك غلاف الكتاب شيء، والمحتوى شيءٌ آخر ومختلف عمّا توقعته أو رجوته، عَلِقتُ في ربعها الأوّل وفضّلت أن أعطيها فرصةً ثانية لعل المتعةَ مختبئة هنا أو هناك … 

“الرواية” أقربُ لأن تكون نصوص أدبية عاطفية بشكلٍ مبالغ فيه أو هكذا بدا لي . لا أحداثَ سوى حدث مكرر وهو مراسلة صحفيّة و التي لم تختر لها الكاتبة اسمًا لشخص مغترب لم يحظى باسم أيضًا، وهذا الشخص لا يبادلها الحب كما تريد، وأحيانًا يبادلها الحب الذي تريد، بالأحرى ؛ طغت فكرة الفتاة التي قد تموت لأجل رجلٍ بشكل مراهق للأسف، وهذا الرجل يأتي ويرحل بمزاجه وهي حاضرة هناك بضعفٍ ولهفة مزعجة.. مفردات الشوق والفقد والحنين كانت منهِكة لكثرتها، برغم لغة الكاتبة الجميلة ، كانت الفكرة ركيكة إلى حد ما. 

أظنّ أن الكاتبة لم توفق كثيرًا في كل شيء، بدءًا من اختيار اسم الرواية وصولاً للمحتوى وأيضًا الخاتمة، الجزء الأخير منها كان للأمانةِ الأكثر امتاعًا، تقريبًا آخر خمسين صفحة؟ المهم ثمّة أحداث بين حسن و”يافا” وزمانٍ ومكان، لو أنّها وظفت طاقتها اللغوية في هذا الجزء ليكونَ الغالب بالتفاصيل كلّها لكان مناسبًا حتى مع اسم الرواية، فكانت الرواية تتحدث أغلبها عن الصحفية والجزء الخاص بيافا كان قصيرًا جدًا! 

ثمّة معلومات لم تكن منطقية بشكلٍ كافٍ وعدم توافقها الزمني أدى إلى بِضعُ هشاشة في بناء الرواية، كالحرب الأهلية التي حدثت في لبنان وتوقيت دراسة حسن هناك، كيف أمكنه التخرج ولبنان في حالة حربٍ مستعرة؟ ، أيضاً .. قرأتُ اقتباسًا كنتُ متأكدةً أنه ليس لمحمود درويش بل لـ الطغرائي – ما أضيقَ العيش لولا فسحة الأملِ – ونسبتهُ الكاتبة إليه لا أعلم لماذا؟ وأعتقدُ أنها هفوة كبيرة سقطت من دار النشر أولاً – بعدم تدقيقهم المناسب – والكاتبة ثانياً . 

الأدب الفلسطيني ، أو أدب الحب والحرب لابد أن ينتزع الأوجاع من قلوبنا ويضعها على محجر العين، وإن لم تكن العين تبكي فالحرقة تقف في الحلق، يجعلنا الأدب أو الفنّ نرى شخوصهم في حاضرنا كما لو أننا عشنا معهم، في لجوئهم، في معاناتهم، في شهادتهم، في حرقة قلوبهم، لكن للأسف لم يتحقق ذلك ، أو لم يكن هذا هدف الكاتبة. 

لعل رأيي قاسٍ لكنني متأكدة أن اللغة الجميلة التي تملكها الكاتبة يمكنها أن توظفها في روايات ومستقبل أدبيّ باهر ..

قراءة لـ إنسان مُفرطٌ في إنسانيّته

سأعترفُ بأنّ الكتاب برغم صفحاته القليلة ، ولغته البسيطة، إلا أن الكثير من المقاطع التي قرأتها شعرت بحاجةٍ لأحدِ الفلاسفة بأن يساعدني في فهمها ، إنها عميقة للغاية، برغم الوضوح هي أيضًا معقّدة ! ، لا أعرف كيف أشرح هذا لكن، في المجمل الكثير مما يواجهنا ونواجهه في الحياة كُتبَ هناك .. وكم يبدو أن تكون حرّا صعبٌ للغاية. 

فالتحرّر من وجهة نظر نيتشه ليس من الآخرين، بل ، من الانسان نفسه .. كيف يتحرر من أفكاره ومعتقداته الخاصة وأنانيته المفعمة؟ حتى وإن أظهرَ عكس ذلك، ثمة تشبث لا ملحوظ في عاداتنا، أفكارنا التي كبرنا عليها ، لعلها ليست صحيحةً، لن أقول كلّها بل بعضها، مشاعرنا، كيف نتحرر منها ؟ الانسان الحرّ حقًا، لا يقيّده الكره أو يعلّقه الحب، لا يتحيّز أو ينفر .. فهوَ حُرّ طليق من كل شيء ، كل شيء. 

ومن بابِ الإنسانيةِ؟ فلا تخولنا (معرفةً) ما بأحدٍ ما أن تكون لدينا صلاحية في تقييم أفعالهم وقراراتِهم فلسنا نحن من كنا في مواقفهم آنذاك وكم يسهل التعليق على الآخرين من البعيد .. طالما لا يطالنا شيء من واقعهم وحياتهم . 

”معرفةَ إنسان بشكل عمليّ ومهما كانَ قريبا منا لا يمكن أن تكونَ كاملةً، بحيث نستطيع امتلاك الحق المنطقي في تقييمه بدقة ؛ إن جميعَ التقييماتِ موجزةٌ ويجب أن تكونَ كذلك ، ثمّ إن المعيارَ الذي نستخدمهُ في القياسِ ليس كمية ثابتة؛ إذ لدينا أمزجتنا واختلافاتنا، ومع ذلك لابدّ لنا من تعريف أنفسنا كمعيار ثابت لنستطيع تحديد طبيعة علاقة أي شيء بنا . “

ـــ فريدريك نيتشه

فمثلًا مثلًا، أن تقول لإنسانٍ تظنّ أنّك تعرفه بناءً على كلام الآخرين عنه، أنّهُ باعَ أرضه ، بينما أنت لا تعلم ماضيه ولا تاريخ تلك الأرض، أنت مُغيّبٌ عن الحقائق، بل إن الحقائقَ جاءتك مُلوّثةٌ بسارقي تلك الأرض، إن الحقائق لا يعلمها إلا الله وأولئك الشهداء الذين سقطوا على أرضهم .. التي لم يساوموا عليها ، فنحنُ نرى اليوم، من الذي يقف مكتوف اليدين، ومن الذي يظل صامدًا فوق أرضه ، تُذبح نساءه أمام عينيه، ويموت أطفاله أسفلَ منزله، تحتَ القصفِ والطغيان، ويشيخ بوجع مديد وحرقة لا تنقضي إلا بعودة الأرض لأهلها ، أن تقول لهذا الانسان، أنّه رضى بذلك وسكت أمام الأموال، تلك هي اللإنسانية في حينِ أنّه يتجرّع الدم والجثث والبارودَ منذ الطفولة . 

إنّ العالمَ الغربيّ اليوم ، وعلى رأسهم نيتشه، هذا الفيلسوف المتحذلق، قد أثرّ على حضاراتنا ووجودنا وثقافتنا، قد أثرّ علينا فظننا أنّ العالم الغربي هو العالم الإنسانيّ، الذي يخلو من فضائع اللاإنسانية، بينما اليوم هم من يمارسون ذلك على فلسطين الأبيّة والشعوب الحرّة … 

” من سمات الحضارة المتقدمة أنها تنمو بما هو أدنى . “

ـــ فريدريك نيتشه

في حينِ أنّ حضارة الغرب المزعومة، تنبذ كلّ ما هو أدنى، في صراعهم المستمرّ مثلا مع أصحاب البشرةِ السوداء باعتبارهم أشخاص أدنى ، فالسمو مربوطٌ ببياض البشرةِ واحمرار الخدين .. 

” الجمال العقلاني ينتشرُ ويتعمقُ على الدوام ، ويجب أن يكونَ الجانب العقلاني والداخليّ لكل الأشياء ذا أهميةٍ أكبر بالنسبة لنا من أكثر الصور الخارجية روعةً وجمالاً“

ـــ فريدريك نيتشه

في حين تهميش العقول العربية ووصفها بالبدويةِ الجاهلة، هيَ نهجهم في تصنيفنا بلا انسانية، إن العلوم كلّها سُرقت من الشرق الأوسط، وإن العقول الجميلة لا تزال تصارع الغرب الجاهل، الذي يظن دائما أن تصنيف الناس بيده، هذا عربيّ ، هذا أسمر، هذا بدويّ ، هذا أسيويّ … ولكن الله كرّم الإنسان بآياته في قوله تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) .

فالتقوى، هي العقل، الذي ميّزنا الله به ، وحرمه من الغربِ الفاجر … 

قِراءة لـ فنّ السّفر

أن تسافر في روحكَ عبر الكتاب، إن صحّ ذلك، فنّ السفر كتابٌ جذبني مُترجمه أكثر من عنوانه، للمترجم السوري الحارث النبهان، والكاتب الآن دو بوتون، يأتي على صورة نصوص فلسفية تحت عناوين عريضة والعناوين العريضة تندرج تحت فصول عديدة، الكتاب كاملًا تشعر فيه بحيويةٍ ما، يشدّك إلى مغامرة معينة حتى لو كانتِ المغامرة في غرفتك الخاصة، فكان له رأي جميل بأن (ثمة بعض الناس ممن عبروا الصحاري، وتسلقوا جبال الجليد العائمة، وشقّوا طريقهم بين الأدغال، لكننا نفتش في أرواحهم عما شهدوه وعاشوه فلا نعثر على شيء. وأما كزافييه دو ميستر الذي ارتدى بيجامة وردية وزرقاء وقَنِعَ بالبقاءِ ضمن حدود غرفته، فهو يحثّنا حثًا لطيفًا على أن نحاول ملاحظة ما رأيناه وما نراه دائمًا قبل أن نشدّ الرحال إلى أصقاع بعيدة.) 

أمّا أنا؟ علِقتُ في الفصل الخامس، تحت العنوان العريض (المَشاهدُ من حَولِنا) وكان يندرج أسفله عنوان آخر (في المدينة والرّيف) ؛ لكَم لامسني هذا الفصل، وودتُ أن أخبرَ العالم كله عنه، العالم من حولي، الغارق في المدينةِ وتبعاتها، وأنا .. أوّلهم! ، ثمّة الكثير من الاقتباسات التي وقفتُ لديها، والتي جعلتني أستصغر كلّ شيء أحمق أمرّ به في العملِ، في الطرقات ، في السوبرماركت و في كلّ مكان … كانت وجهة نظر الكاتب متأثرة بنصوص للشاعر (ويليام ووردزوورث) الذي لم يكن شعره يُعجبُ أحدًا آنذاك، فأحدهم راجع أشعاره وقال بأنها (سخفٌ طفوليّ) ثم تساءل إن كان يتعمد أن يجعلَ نفسه أضحوكةً ؟ 

الشاعر ويليام، كان متأثرًا جدًا بالطبيعة وكيف كان لها أثرها العظيم على نفسه، كلماته أشبه بالتأمّل، وأقرب لأن تكون ترنيمةً للتشافي، تحت أثرِ الجبال والشلالات والزهور والوديان، كان يقول أن ( قَدَرُ قَصائدي أن تكونَ مواساةً للمجروح)

” وذلك أنّه كان يرى أن أثرً المدنِ على أرواحنا مدعاة للقلق، أكثر من أثرها على صحتنا، اتهم الشاعر المدنَ بأنها تشجع مجموعةَ مشاعر تدمر الحياة؛ قلقنا على مراكزنا ضمن التراتب الاجتماعي؛ وما يثيره نجاح الآخرين من حسدٍ في نفوسنا؛ وغرورنا ورغبتنا في أن نبدوَ لامعين في أعينِ الآخرين . “

ـــ آلان دو بوتون

 في الحقيقة اهتمامنا بالآخر هو الجرف العالي الذي آجلا أم عاجلًا سوف نهوي منه، بكل ألم، والمدينة، تُثير هذا الشعور، والتنافس عالٍ في الساحة، كأن لابدّ لنا أن نهتمّ لهراء الجميع وكلامهم،  فتخيل مثلا، أن يظنّ طبيبٌ ما أن رأيه يجب أن يُسمع لمجردِ مكانته الرفيعة، حتى إن كان الرأيّ ليسَ طبيًا بل شخصيًا، حتّى وإن كان الرأيّ ليس للمريضِ بل للموظفين حوله، إنّه الغرور . وتظلّ أنتَ تستمع لهذا ، وتصغي لذاك ، بينما أنتَ نفسك لا تسمع صوت نفسك، وتظلّ تائهًا حتى تسقط من ذلك الجرف، وتتأذى كثيرًا .. وتقرّر الهروب نحو عزلة مناسبة تُعيد صوابك فيها . 

” قاطني المدن الذين صاروا يفتقرون إلى القدرة على النّظرِ إلى حياتهم، فهم واقعون تحت رحمة ما يُقال في الشوارعِ، أو على موائدِ الطعام، ومهما يكن عيشهم رغدًا، فإن لديهم رغبة لا تهدأ في الحصول على أشياء جديدة لا هم في حاجةٍ حقيقةٍ إليها ولا سعادتهم متعلّقة بها ، في هذا المناخ المزدحم القَلِق ، تبدو إقامة علاقات صادقة مع الآخرين أشدّ صعوبة منها عندما يكون المرء في منزلٍ منعزل . “

ــ آلان دو بوتون

كيف يمكن للمرءِ إقامة علاقة صادقة مع الآخرين بينما هو، نفسه، ليسَ صادقًا مع نفسه؟ إن كانَت بوصلة رغباته ومشاعره كلّها باتجاه أمور سطحية، كإسم الماركة التي يجب أن يرتديها، أو قيمة ساعة اليد التي تقيّد معصمه، بينما أفكاره وطموحه لا تتعدى مظهره، كيف يمكن للحوار أن يكون عميق وذو معنى معه؟ سنُعجب بما نراه من مظهر نعم، لكن صدّقني، ستمرّ الأيام وتلعن نفسك إذ جعلته يدخل دائرتك لفرطِ التفاهة والفراغ ، وهذه القاعدة ليست عامّة، لكنّها غالِبة . 

” فقد تثير فينا صحبة بعض الناس كرمًا ورِقّة ، في حين يوقظ غيرهم في نفوسنا أحاسيس الحسد والتنافس. من هنا، يمكن أن يقود الانشغال بالمكانة والدرجة الاجتماعية واحدًا من الناس (وليكن اسمه (ب)) ، إلى القلقِ على مكانتهِ وأهميته بين الناس (يحدث هذا على نحوٍ خفيّ لا يكاد يُحسّ) ، مع أن النكات التي يلقيها (آ) توقظ في داخله احساسًا بالسخف والتفاهةِ كان قبل ذلك هاجعاً . ماعلينا إلا أن ننقل (ب) إلى بيئةٍ أخرى حتى يتغير ما يجول في ذهنه ، تغيرًا رفيقا ، استجابةً لمن يُحدّثه . “

ــ آلان دو بوتون

أؤمن بنظرية التفاحة الفاسدة تُفسد ما حولها، والصحبة المُتعبة قد تُغرقنا في توترّ لا نهائيّ، يظل يمزّقك العيش والملح ما بينكما في حين أنّ أوّل بوابة هروب قد تُسعف قدميك للرحيل ستجري نحوها، الحياة قصيرة للغاية حتّى نختار ما يرهقنا باستمرار، نحن بالكاد ننجو في حياتنا مما يُصارع الحياةَ ذاتها ، ما بالك بجلب الهمّ بيديك وقدميك لحياتك في حين يمكن ايقاف هذا كلّه، نحن لا نعقد وثيقةَ التزامٍ بالآخرين .. والآخرين هُمُ الجحيم كما يقول سارتر . 

”هكذا تستطيع الطبيعة تعليم العقل الكائن فينا، وهكذا تطبعهُ بخاتم السكينةِ والجمال،وهكذا تُرضِعهُ أفكارًا ساميةً ،فلا تعودُ الألسن الخبيثةِ، ولا الأحكامِ المتعجلةِ، ولا هزء البشر الأنانيين ،ولا تحيّاتهم التي لا صدقَ فيها،ولا كلّ ما في الحياة اليومية من علاقات مُحزنة ،بقادرة على هزيمتنا، ولا على تعكيرِ إيماننا الفرِح بأن كلّ ما نراهُ مُفعمٌ بَرَكَة. “

ــ ويليام ووردزوورث 

هكذا يستنجد الشاعر بالرّيفِ لمواجهةِ الآثارِ الخبيثةِ لعيشة المُدن ، يقول آلان دو بوتون ، وأتفقُ تمامًا بكل السموم التي ابتلعناها في التمدن، إنّ الحيَاةَ البسيطة والمفعمة بالطبيعةِ، لهيَ الطريق إلى النّفس والابحار فيها ، دون جدال أو ضجيج، العزلة في منزلٍ جبليّ أو العيش أمامٍ ساحل تجرّ أمواجه أفكارنا وضياعنا ويعيد النسيم إلينا صوابنا الذي فقدناه تحت وطأة المكانة الاجتماعية والزملاء والأحكام المُطلقة التي ببساطة لسنا بحاجةٍ لها … 

 

  

قراءة لـ نساء صغيرات

”لم تفصح الرسائل التي تلقتها جو في نيويورك عن الكثير عن حالة بيث الصحية، كما أنها لم تذكر شيئاً قد يجعل جو تظن أن صحّة بيث تزداد سوءًا . ولم يلحظ والدها ووالدتها التغير الذي يطرأ عليها من يوم لآخر. إلا أنه عندما عادت جو – بعد غياب طويل – لاحظت هذا التغير في الحال. علمت جو أن بيث مريضة جدًا؛ وبما أنها ادخرت بعض المال من عملها في نيويورك، فقد طلبت من والديها السماح لها بأن تأخذها إلى الشاطيء لبضعة أسابيع“ –  نساء صغيرات، لويزا ألكوت

 

أحببتُ أن أبدأ قراءتي للرواية من هذا المشهد، وأجل! شعرتُ أنّ الرواية تأخذ طابع (المشاهد) الواضحة للقارئ بعيدًا عن الطرح الغامض أو البلاغي، الرواية تميل لأن تكون نصّ سينمائي جاهز للتصوير، وحقيقةً.. تأثرتُ بشكل أكبر عند مشاهدتي للفيلم أكثر من قراءتي للرواية، – وتمنيت أنني قرأت الرواية قبل مشاهدتي للفيلم – ، لربما ستكون.. قراءتي مختلفة آنذاك، تدور الأحداث حول عائلة مارش، وكانت (جو) تأخذ تقريبا الجزء البطولي من الرواية، أربع أخوات، كلٌّ لها عالمها، لكن تجمعهم المبادىء والقيَم والصداقة العميقة، كثيرًا ما كانت تدور الأحداث حول مدى ترابطهم الأسريّ بشكل عام، لم تكن (الدراما) بالغة الأثر كما وجدتها في الفيلم .. يمكنك القول أنّ قراءة الرواية لمجرد المتعة أو امضاء الوقت … ليست للتعمق أو الوقوف عند النصّ بحد ذاته، في الغالب أحبّ أن أختار اقتباسًا مؤثرًا بالنسبة لي لأبدأ قراءتي للرواية من خلاله … لكن هذه المرة، اخترت ”مشهدًا“ فكما قلت سابقًا، أن ركيزة الرواية هي المشاهد لا الكلام.

العناية المُطلقة التي كانت جو تحرص أن توفرها لأخواتها بلا ملل، في غياب والدها في الحرب، وتحملها للكثير من المسؤولية مع والدتها، كذراع يمنى، حتى بدا أنّ لا وقت لديها للحبّ … أو حتى الزواج، (جو) الكاتبة التي تأثرت بكل ما حدث حولها وكرست نفسها للكتابة ولرعاية بيث أختها الصغرى. 

تداخل وجع الفقد فيما بعد في التفاصيل كلّها، وصارتِ المشاهد تميل للزرقةِ الباردة، تعاظم الحزن في نفوس العائلة بعد أن ماتت بيث، ولم يعد لون كلّ شيء دافئاً وحنونًا كالسابق، فلا شيء يُعوّض الروح، وصار الذبول يطغى على ملامح الجميع . 

ثمة الكثير من البهجةِ رغم ذلك، النّهاية سعيدة على مضض، اللغة بسيطة كما قلت، تأثرت بمشهدِ (ايمي) وهي تحرق الكتاب الذي كتبته (جو) وحجم الغضب الذي تملّكها، المشاعر الكثيرة – الحقيقية – التي نمرّ بها جميعًا وكيف نتجاوزها فيما بعد بطريقةٍ أو أخرى .. لا شيء خياليّ هنا، وكلّنا مارسنا شيئاً من تلك المشاهد فكانت الرواية تدور عن يوميات يمكننا أن نستشعرها تمامًا . كما لو أننا كنا احدى الشخصيات … 

  • الموسيقى أعلاه تعود للموسيقى التصويرية للفيلم . 

قِراءة لـ كافكا الخاطب الأبدي

ليسَ بوسعنا أن نكتبَ إلا على هذا النحو، بهذه الاستمرارية، بانفتاح كليّ للروح والجسد. كل شيء يمكن أن يُقال، كل الأفكار مهما بلغت درجة غرابتها

” إنّ الكتابةَ غاية حياته، رأسهُ يشكّل قصصا مُبهِرَة فيجنّ إن لم يكتبها .“

 ماكس برود عن صديقِه (كافكا) 

بعدَ قراءتي لرواية (جاكلين راوول دوفال) عن كافكا، تمنيت حقًّا أن أحصل على مؤلفاته كاملةً، لم أشعر بالاكتفاء بل هذا الكتاب أشبه بمادّة إعلانية رائعة للحصول على المزيد من نصوص كافكا. توقفتُ كثيرًا عند مقولة ماكس أعلاه، أنّ كافكا قد يُصاب بالجنون حقًا إن لم يكتب فكرةً طرأت أو وَهمًا يطارد عقله أو ضربُ الخيالِ .. المبرح . سيظل يفكّر كيف يصيغ الجملة حتى في لحظات وجوده مع الآخرين.. فيظل ربما يخاطب عقله وقلبه كما لو أنّهما شخصين أمامه . 

”إنّهُ وجهٌ صافٍ، مشكّلٌ تشكّلاً متناغمًا، ملامحه تكاد تكون جميلةً. سوادُ الشّعر والحاجبين والمحجرين يتلألأ كشيءٍ حيّ في كتلةِ الوجه الواعدة. النّظرة ليستْ بالمرّة تالفةً، لا أثرَ فيها لأيّ خراب، لكنّها أيضًا ليست طفولية؛ إنّها بالأحرى حيويةٌ على نحوٍ مذهل…“ — من مذكرات كافكا 

أكثر ما يشدّني للنصوص هو أبعادها في النفس، حتى في وصفِ أصغرِ الأشياء، تلك التفاصيل العميقة ما تظل تعلق في ذاكرتي، كيف يصف كافكا وجهه أعلاه.. وأنّ (نظرة عيناه ليست تالفة، لا أثر فيها لأي خراب…) كيف يمكننا أن نصفَ الحزنَ والألم من خلال أعيننا .. بأن نقول أنها لم تتلف بعد، لكنها قابلة للتلف، وأنّها ليست بريئة لكن بها من الحيوية ما يكفي لتبدو نظرةً طفولية. 

” أنا، غِصتُ بنظري في وجهكِ الحقيقي، وجهكِ الانسانيّ، بما ينطوي عليه من عيوب ضرورية، وضِعتُ فيه. فكيف أقدر أن أخرجَ منه، لألفي نفسي إزاء هذه الصور البسيطة“ — كافكا ، مستاء من ابتذال الصور التي ترسلها فيليس خطيبته الأولى. 

وضوح التعبير وعمق المعنى، أحد الأبعاد الذي امتدّ بجمالٍ في هذه الرواية، وهذه الاقتباسات عن كافكا، كيف نغفلُ أن للوجه عيوب ضرورية (ضرورية!) تجعلنا نقع في غرامها، أو نضيع فيها .. كما يقول كافكا، وكيف تكون الصور جامدة ومبتذلة، راغبًا بالمزيد من حضور حبيبته الحقيقي.. 

رحلة الحبّ التي امتدتّ لتبدو أبديةً، فكان كافكا (خاطبًا أبديًا) حتى مماته المؤلم، رسائله الكثيرة، نصوصه المفقودة، كلماته التي احترق بعضها،صراعه وجسده، هربه الجميل، المزيد من العزلة المحبّبة .. تركت أثرها الجميل داخلي، وأثرها الموجع أيضًا، لا أظنني سأكتفي بقراءة هذه الرواية مرة واحدة فقط.. شكرًا محمد آيت حنا على ترجمة هذا العمل. 

Powered by WordPress.com.

Up ↑