قِراءة لـ كافكا الخاطب الأبدي

ليسَ بوسعنا أن نكتبَ إلا على هذا النحو، بهذه الاستمرارية، بانفتاح كليّ للروح والجسد. كل شيء يمكن أن يُقال، كل الأفكار مهما بلغت درجة غرابتها

 إنّ الكتابةَ غاية حياته، رأسهُ يشكّل قصصا مُبهِرَة فيجنّ إن لم يكتبها .

 ماكس برود عن صديقِه (كافكا) 

بعدَ قراءتي لرواية (جاكلين راوول دوفال) عن كافكا، تمنيت حقًّا أن أحصل على مؤلفاته كاملةً، لم أشعر بالاكتفاء بل هذا الكتاب أشبه بمادّة إعلانية رائعة للحصول على المزيد من نصوص كافكا. توقفتُ كثيرًا عند مقولة ماكس أعلاه، أنّ كافكا قد يُصاب بالجنون حقًا إن لم يكتب فكرةً طرأت أو وَهمًا يطارد عقله أو ضربُ الخيالِ .. المبرح . سيظل يفكّر كيف يصيغ الجملة حتى في لحظات وجوده مع الآخرين.. فيظل ربما يخاطب عقله وقلبه كما لو أنّهما شخصين أمامه . 

”إنّهُ وجهٌ صافٍ، مشكّلٌ تشكّلاً متناغمًا، ملامحه تكاد تكون جميلةً. سوادُ الشّعر والحاجبين والمحجرين يتلألأ كشيءٍ حيّ في كتلةِ الوجه الواعدة. النّظرة ليستْ بالمرّة تالفةً، لا أثرَ فيها لأيّ خراب، لكنّها أيضًا ليست طفولية؛ إنّها بالأحرى حيويةٌ على نحوٍ مذهل…“ — من مذكرات كافكا 

أكثر ما يشدّني للنصوص هو أبعادها في النفس، حتى في وصفِ أصغرِ الأشياء، تلك التفاصيل العميقة ما تظل تعلق في ذاكرتي، كيف يصف كافكا وجهه أعلاه.. وأنّ (نظرة عيناه ليست تالفة، لا أثر فيها لأي خراب…) كيف يمكننا أن نصفَ الحزنَ والألم من خلال أعيننا .. بأن نقول أنها لم تتلف بعد، لكنها قابلة للتلف، وأنّها ليست بريئة لكن بها من الحيوية ما يكفي لتبدو نظرةً طفولية. 

” أنا، غِصتُ بنظري في وجهكِ الحقيقي، وجهكِ الانسانيّ، بما ينطوي عليه من عيوب ضرورية، وضِعتُ فيه. فكيف أقدر أن أخرجَ منه، لألفي نفسي إزاء هذه الصور البسيطة“ — كافكا ، مستاء من ابتذال الصور التي ترسلها فيليس خطيبته الأولى. 

وضوح التعبير وعمق المعنى، أحد الأبعاد الذي امتدّ بجمالٍ في هذه الرواية، وهذه الاقتباسات عن كافكا، كيف نغفلُ أن للوجه عيوب ضرورية (ضرورية!) تجعلنا نقع في غرامها، أو نضيع فيها .. كما يقول كافكا، وكيف تكون الصور جامدة ومبتذلة، راغبًا بالمزيد من حضور حبيبته الحقيقي.. 

رحلة الحبّ التي امتدتّ لتبدو أبديةً، فكان كافكا (خاطبًا أبديًا) حتى مماته المؤلم، رسائله الكثيرة، نصوصه المفقودة، كلماته التي احترق بعضها،صراعه وجسده، هربه الجميل، المزيد من العزلة المحبّبة .. تركت أثرها الجميل داخلي، وأثرها الموجع أيضًا، لا أظنني سأكتفي بقراءة هذه الرواية مرة واحدة فقط.. شكرًا محمد آيت حنا على ترجمة هذا العمل. 

Leave a Reply

Powered by WordPress.com.

Up ↑

Discover more from منعطَف

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading