
المرّة الأولى التي أقرأ فيها لنجيب محفوظ ، كنت مسبقًا قد بنيت توقعات لضخامةِ هذا الاسم أدبيًا، تخيّلت لغته صعبة ولفرطِ بلاغتها لا تُفهَم، لكن كان عكس توقعاتي .. بل أجمل من تلك التوقعات بكثير! ، كتاب شهر العسل عبارة عن مجموعة قصص قصيرة ، وجدتها ملائمة للتمثيل المسرحي أو حتى للأفلام. نجيب محفوظ يستطيع أن يجلبك للمشهد وتكون المستمع للشخصيات والمُشاهد والمُتفاعل أيضًا، بساطة لغته وذكاء النهايات يجعلك تريد أن تعيد قراءة القصة مجددًا لتحظى بشعور الدهشةِ في الخاتمة مرّة أخرى.
أحببتُ كثيرًا قصة (فنجان شاي) تقع في الصفحةِ واحد وسبعين، ومنها أتخذُّ هذا الاقتباس كصُدفةٍ موجعة وحقيقيّة تحاكي أحداث هذه الفترة المؤلمة فيما يفعله الاحتلال الصهيوني البشع في غزّة :
” لا مكان إلّا لنوعين من الانسان ،واحدٌ يقاتل بقلب ملؤه الشرّ، وآخر يقاتل بقلبٍ ملؤه الخير . “
فلا تتخيل، بل يحدث فعليًا، أن هذين النوعين اجتمعا، وقبضة الشرّ تعيث في الأرض جراحًا كثيرة، يشدّني الكاتب التي جملته لا تنتهي في زمنهِ، بل تستمر، تصف الأزمنة الأخرى حتى ولو بعد عقود من الزمان ، إن ما يجعلنا نبحث عن الكتّاب القديمين هو ضحالةِ ما يُكتب الآن، لا أُعمّم هذهِ الفكرةَ لكن، لماذا ذكرتُ في الأعلى أنني قد بنيت توقعات ما قبل قراءتي لنجيب ؟ لأن الآن يبدو الأدب لدى الكتّاب الذين يمارسون (الحشوّ البلاغي) هكذا، الصّعب المُريع، فتقف عندَ جملة تتكون من أربع أو خمس كلمات تُفقدك عقلك لصعوبة تأويلها، كما لو أنّ كلما زادت عضلاتك اللغوية والبلاغية كنتَ كاتب هذا العام ، ولفرطِ صعوبتها سوف تُنسى وتنسحب تلك العُقد من ذاكرتك مباشرةً، بِخلافِ أن يأتيك كاتب مثل نجيب بسطر بسيط يُعبرّ فيه عن فكرةٍ ما ويجعلك ترى هذا يحدث الآن ، رغم أن الجملةَ مضى عليها ثلاثة وخمسين عامًا ولا زالت حاضِرة .
” إنَّ الغَرقى في ذمَّةِ المتفرجين …. “
لا أعرف كيف أصف هذا الاقتباسِ حقًا لكنّه بدى لي كالحقيقةِ التي لا أريد ابتلاعها وأختنق بها أصلا، كم مرّة قرأتُه وأحسستُ أنّي في مجموعةِ المتفرجين؟ إن العجزَ الذي يستبدّ بي تجاه القضية الفلسطينية يجعلني فعلًا أرى الغرقى.. الغرقى بدمائهم يستنجدون الجميع، والإغاثةَ عالِقة، والغيض يحتشد في حناجرنا .. والدّمع لا يُسعف أحدًا.
واقعية اللغة وذكاءها كانت حاضرة بجمال وهدوء في هذه المجموعة، بل تشجعتُ لاقتناء المزيد لـ نجيب محفوظ، يمكنك الانتهاء من قراءة مؤلفاته في وقت قصير لخفّة المحتوى وثقلَ الفِكر في آنِ واحد .
