قراءة لـ أمّة الدوبامين

بسبب الاكتئاب والقلق، من بين العديد من الأشياء التي تحدثنا عنها، أخبرتني أنها تقضي معظم ساعات استيقاظها متصلة بوسائل التواصل الاجتماعي، كاليوتيوب والانستغرام والاستماع إلى البودكاست وقوائم التشغيل. في جلسة معها اقترحت عليها أن تحاول المشيّ دون الاستماع إلى أي شيء وترك أفكارها تطفو على السطح ـــ آنا ليمبيكي.

 

دعونا نعترف أننا في زمنِ ملاحقة التوازن، وأنّ العالم كله، من شرقهِ إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه يتداعى… لستُ سلبيةً إطلاقًا، بل كلّ من يعرفني لطالما يبدأ بإطراء تماسكي وتفاؤلي المستمرّ، لكن.. أنا أشعر بعدم التوازن وكتاب (أمة الدوبامين) للكاتبة والطبيبة (آنا ليمبيكي) ساعدني في فهم ذاتي التي تُفرط في فعلٍ ما بحثًا عن روعة الدوبامين وهو يملأ خلاياي العصبية ويهدّئ من سعيي للتوازن المزعوم. صحيحٌ أنّ ٧٠٪ تقريبًا من الحالات التي رصدتها الطبيبة النفسية في كتابها كان افراطهم في شربِ الكحول وتعاطي المخدرات سعيًا لشعورٍ مَا وذلك ما لا يتناسب مع مجتمعنا، لكن فكرة الإدمان تمتدّ أيضًا للافراط في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي والتعرّض للكثير من المعلومات والتفاعل المستمر في هذا العالم اللاواقعي تجنبًا للعالم الحقيقي ومايحمله من ألم أو ملل، الافراط في التسوّق الالكتروني والحصول على كل شيء بضغطة زر، الافراط في التباهي بالممتلكات كما لو أنّها الصورة العميقة للذات بينما كلّ ما يُلبس ويؤكل ويتم التباهي به بشكلٍ مفرط لهي سطحيةٍ تجرّ أصحابها في دوامة الحصول على كلّ ما هو باهظ وثمين لسدّ النقص والحاجة للشعور بالوجود (أنا أملِك إذًا أنا موجود)، هي جملة هذا العصر التافه .

أسهمتْ وسائل التواصل الاجتماعيّ في مشكلة الذات الزائفة، فقد سهّلت  الأمر علينا،وشجعتنا على نظم وتنسيق رواياتٍ عن حياتنا البعيدة عن الواقع. ـــ آنا ليبمبيكي 

وبغض النظر عن أننا انغمسنا بإفراط في هذا العالم الماديّ، أصبحنا لا نحتمل البقاء دونه، فهو العالم الذي يُشعرنا دائمًا بالسعادةِ والتحفيز، لقد نسينا شعور الملل الذي يمكنه في نهاية المطاف يجعلنا نُفكّر، ونصبر على تكوين فكرةٍ ما وإخراجها بشكلٍ مبدع أو يُقارب الابداع على الاقل… أصبحنا متفرجون وأدمغتنا تعفنت حرفيًا تحت وطأة المعلومات الكثيرة والسطحية لأنها – تلك المعلومات – تمنحنا شعورًا خفيًا بالخَدَر واللذة، ولكن لها تأثيرها المرعب على المراهقين بشكل خاص وبعض البالغين ما يجعل أفكارهم تقترب من الاكتئاب المستمر،فأصبحت فكرة النجاح ليسَ ما يُحصد بجهد صاحبها.. أصبحَ نجاح هذا العصر أن تحصل على حياة مرفهة ، (كيف يزيد رصيد حسابي البنكي٫ هل أظهر بمقطعٍ عابر قد يمتطي موجة (الترند) وأصبح مشهورًا ومن ثم ثريًا؟) كل هذه الافكار سمعتها ولمستها من مجتمعي القريب .. أليس من التفاهة أن تسمع فكرة كهذه حصولًا على المال؟

تدفعنا وسائل التواصل الاجتماعي إلى الميل نحو الشعور بالعار من الذات، من خلال دعوة الكثير من التمايز البغيض إلى حياتنا اليومية. نحنُ الآن نُقارن أنفسنا ليس فقط بزملائنا في الفصل، وجيراننا، وزملائنا في العمل، بل نقارن أنفسنا بالعالم بأسره، مما يجعل من السهل جدًا إقناع أنفسنا بأنه كان علينا فعل المزيد، أو الحصول على المزيد، أو العيش بشكلٍ مختلف. ـــ آنا ليمبيكي

هذا وجه من الوجوه الكثيرة للافراط في فعلٍ ما أو فلنقل (الإدمان) للحصول على لذة قصيرة الأمد، كيف يمكننا أن ننجو من الانغماس المفرط والغير صحّي فيما نتخذه مسكنًا لمواجهة الحياة الحقيقية ؟ كيف نحقق التوازن الذي نُريد ؟ كلها أسئلة قد تجد إجاباتها في هذا الكتاب ، أنصح بقراءته.. كان ممتعًا بحق. 

قراءة لـ (شهر العسل)

المرّة الأولى التي أقرأ فيها لنجيب محفوظ ، كنت مسبقًا قد بنيت توقعات لضخامةِ هذا الاسم أدبيًا، تخيّلت لغته صعبة ولفرطِ بلاغتها لا تُفهَم، لكن كان عكس توقعاتي .. بل أجمل من تلك التوقعات بكثير! ، كتاب شهر العسل عبارة عن مجموعة قصص قصيرة ، وجدتها ملائمة للتمثيل المسرحي أو حتى للأفلام. نجيب محفوظ يستطيع أن يجلبك للمشهد وتكون المستمع للشخصيات والمُشاهد والمُتفاعل أيضًا، بساطة لغته وذكاء النهايات يجعلك تريد أن تعيد قراءة القصة مجددًا لتحظى بشعور الدهشةِ في الخاتمة مرّة أخرى. 

أحببتُ كثيرًا قصة (فنجان شاي) تقع في الصفحةِ واحد وسبعين، ومنها أتخذُّ هذا الاقتباس كصُدفةٍ موجعة وحقيقيّة تحاكي أحداث هذه الفترة المؤلمة فيما يفعله الاحتلال الصهيوني البشع في غزّة : 

لا مكان إلّا لنوعين من الانسان ،واحدٌ يقاتل بقلب ملؤه الشرّ، وآخر يقاتل بقلبٍ ملؤه الخير .  

فلا تتخيل، بل يحدث فعليًا، أن هذين النوعين اجتمعا، وقبضة الشرّ تعيث في الأرض جراحًا كثيرة، يشدّني الكاتب التي جملته لا تنتهي في زمنهِ، بل تستمر، تصف الأزمنة الأخرى حتى ولو بعد عقود من الزمان ، إن ما يجعلنا نبحث عن الكتّاب القديمين هو ضحالةِ ما يُكتب الآن، لا أُعمّم هذهِ الفكرةَ لكن، لماذا ذكرتُ في الأعلى أنني قد بنيت توقعات ما قبل قراءتي لنجيب ؟ لأن الآن يبدو الأدب لدى الكتّاب الذين يمارسون (الحشوّ البلاغي) هكذا، الصّعب المُريع،  فتقف عندَ جملة تتكون من أربع أو خمس كلمات تُفقدك عقلك لصعوبة تأويلها، كما لو أنّ كلما زادت عضلاتك اللغوية والبلاغية كنتَ كاتب هذا العام ، ولفرطِ صعوبتها سوف تُنسى وتنسحب تلك العُقد من ذاكرتك مباشرةً، بِخلافِ أن يأتيك كاتب مثل نجيب بسطر بسيط يُعبرّ فيه عن فكرةٍ ما ويجعلك ترى هذا يحدث الآن ، رغم أن الجملةَ مضى عليها ثلاثة وخمسين عامًا ولا زالت حاضِرة . 

  إنَّ الغَرقى في ذمَّةِ المتفرجين ….   

لا أعرف كيف أصف هذا الاقتباسِ حقًا لكنّه بدى لي كالحقيقةِ التي لا أريد ابتلاعها وأختنق بها أصلا، كم مرّة قرأتُه وأحسستُ أنّي في مجموعةِ المتفرجين؟ إن العجزَ الذي يستبدّ بي تجاه القضية الفلسطينية يجعلني فعلًا أرى الغرقى.. الغرقى بدمائهم يستنجدون الجميع، والإغاثةَ عالِقة، والغيض يحتشد في حناجرنا .. والدّمع لا يُسعف أحدًا. 

واقعية اللغة وذكاءها كانت حاضرة بجمال وهدوء في هذه المجموعة، بل تشجعتُ لاقتناء المزيد لـ نجيب محفوظ، يمكنك الانتهاء من قراءة مؤلفاته في وقت قصير لخفّة المحتوى وثقلَ الفِكر في آنِ واحد . 

قِراءة لـ فنّ السّفر

أن تسافر في روحكَ عبر الكتاب، إن صحّ ذلك، فنّ السفر كتابٌ جذبني مُترجمه أكثر من عنوانه، للمترجم السوري الحارث النبهان، والكاتب الآن دو بوتون، يأتي على صورة نصوص فلسفية تحت عناوين عريضة والعناوين العريضة تندرج تحت فصول عديدة، الكتاب كاملًا تشعر فيه بحيويةٍ ما، يشدّك إلى مغامرة معينة حتى لو كانتِ المغامرة في غرفتك الخاصة، فكان له رأي جميل بأن (ثمة بعض الناس ممن عبروا الصحاري، وتسلقوا جبال الجليد العائمة، وشقّوا طريقهم بين الأدغال، لكننا نفتش في أرواحهم عما شهدوه وعاشوه فلا نعثر على شيء. وأما كزافييه دو ميستر الذي ارتدى بيجامة وردية وزرقاء وقَنِعَ بالبقاءِ ضمن حدود غرفته، فهو يحثّنا حثًا لطيفًا على أن نحاول ملاحظة ما رأيناه وما نراه دائمًا قبل أن نشدّ الرحال إلى أصقاع بعيدة.) 

أمّا أنا؟ علِقتُ في الفصل الخامس، تحت العنوان العريض (المَشاهدُ من حَولِنا) وكان يندرج أسفله عنوان آخر (في المدينة والرّيف) ؛ لكَم لامسني هذا الفصل، وودتُ أن أخبرَ العالم كله عنه، العالم من حولي، الغارق في المدينةِ وتبعاتها، وأنا .. أوّلهم! ، ثمّة الكثير من الاقتباسات التي وقفتُ لديها، والتي جعلتني أستصغر كلّ شيء أحمق أمرّ به في العملِ، في الطرقات ، في السوبرماركت و في كلّ مكان … كانت وجهة نظر الكاتب متأثرة بنصوص للشاعر (ويليام ووردزوورث) الذي لم يكن شعره يُعجبُ أحدًا آنذاك، فأحدهم راجع أشعاره وقال بأنها (سخفٌ طفوليّ) ثم تساءل إن كان يتعمد أن يجعلَ نفسه أضحوكةً ؟ 

الشاعر ويليام، كان متأثرًا جدًا بالطبيعة وكيف كان لها أثرها العظيم على نفسه، كلماته أشبه بالتأمّل، وأقرب لأن تكون ترنيمةً للتشافي، تحت أثرِ الجبال والشلالات والزهور والوديان، كان يقول أن ( قَدَرُ قَصائدي أن تكونَ مواساةً للمجروح)

وذلك أنّه كان يرى أن أثرً المدنِ على أرواحنا مدعاة للقلق، أكثر من أثرها على صحتنا، اتهم الشاعر المدنَ بأنها تشجع مجموعةَ مشاعر تدمر الحياة؛ قلقنا على مراكزنا ضمن التراتب الاجتماعي؛ وما يثيره نجاح الآخرين من حسدٍ في نفوسنا؛ وغرورنا ورغبتنا في أن نبدوَ لامعين في أعينِ الآخرين .

ـــ آلان دو بوتون

 في الحقيقة اهتمامنا بالآخر هو الجرف العالي الذي آجلا أم عاجلًا سوف نهوي منه، بكل ألم، والمدينة، تُثير هذا الشعور، والتنافس عالٍ في الساحة، كأن لابدّ لنا أن نهتمّ لهراء الجميع وكلامهم،  فتخيل مثلا، أن يظنّ طبيبٌ ما أن رأيه يجب أن يُسمع لمجردِ مكانته الرفيعة، حتى إن كان الرأيّ ليسَ طبيًا بل شخصيًا، حتّى وإن كان الرأيّ ليس للمريضِ بل للموظفين حوله، إنّه الغرور . وتظلّ أنتَ تستمع لهذا ، وتصغي لذاك ، بينما أنتَ نفسك لا تسمع صوت نفسك، وتظلّ تائهًا حتى تسقط من ذلك الجرف، وتتأذى كثيرًا .. وتقرّر الهروب نحو عزلة مناسبة تُعيد صوابك فيها . 

قاطني المدن الذين صاروا يفتقرون إلى القدرة على النّظرِ إلى حياتهم، فهم واقعون تحت رحمة ما يُقال في الشوارعِ، أو على موائدِ الطعام، ومهما يكن عيشهم رغدًا، فإن لديهم رغبة لا تهدأ في الحصول على أشياء جديدة لا هم في حاجةٍ حقيقةٍ إليها ولا سعادتهم متعلّقة بها ، في هذا المناخ المزدحم القَلِق ، تبدو إقامة علاقات صادقة مع الآخرين أشدّ صعوبة منها عندما يكون المرء في منزلٍ منعزل .

ــ آلان دو بوتون

كيف يمكن للمرءِ إقامة علاقة صادقة مع الآخرين بينما هو، نفسه، ليسَ صادقًا مع نفسه؟ إن كانَت بوصلة رغباته ومشاعره كلّها باتجاه أمور سطحية، كإسم الماركة التي يجب أن يرتديها، أو قيمة ساعة اليد التي تقيّد معصمه، بينما أفكاره وطموحه لا تتعدى مظهره، كيف يمكن للحوار أن يكون عميق وذو معنى معه؟ سنُعجب بما نراه من مظهر نعم، لكن صدّقني، ستمرّ الأيام وتلعن نفسك إذ جعلته يدخل دائرتك لفرطِ التفاهة والفراغ ، وهذه القاعدة ليست عامّة، لكنّها غالِبة . 

فقد تثير فينا صحبة بعض الناس كرمًا ورِقّة ، في حين يوقظ غيرهم في نفوسنا أحاسيس الحسد والتنافس. من هنا، يمكن أن يقود الانشغال بالمكانة والدرجة الاجتماعية واحدًا من الناس (وليكن اسمه (ب)) ، إلى القلقِ على مكانتهِ وأهميته بين الناس (يحدث هذا على نحوٍ خفيّ لا يكاد يُحسّ) ، مع أن النكات التي يلقيها (آ) توقظ في داخله احساسًا بالسخف والتفاهةِ كان قبل ذلك هاجعاً . ماعلينا إلا أن ننقل (ب) إلى بيئةٍ أخرى حتى يتغير ما يجول في ذهنه ، تغيرًا رفيقا ، استجابةً لمن يُحدّثه .

ــ آلان دو بوتون

أؤمن بنظرية التفاحة الفاسدة تُفسد ما حولها، والصحبة المُتعبة قد تُغرقنا في توترّ لا نهائيّ، يظل يمزّقك العيش والملح ما بينكما في حين أنّ أوّل بوابة هروب قد تُسعف قدميك للرحيل ستجري نحوها، الحياة قصيرة للغاية حتّى نختار ما يرهقنا باستمرار، نحن بالكاد ننجو في حياتنا مما يُصارع الحياةَ ذاتها ، ما بالك بجلب الهمّ بيديك وقدميك لحياتك في حين يمكن ايقاف هذا كلّه، نحن لا نعقد وثيقةَ التزامٍ بالآخرين .. والآخرين هُمُ الجحيم كما يقول سارتر . 

هكذا تستطيع الطبيعة تعليم العقل الكائن فينا، وهكذا تطبعهُ بخاتم السكينةِ والجمال،وهكذا تُرضِعهُ أفكارًا ساميةً ،فلا تعودُ الألسن الخبيثةِ، ولا الأحكامِ المتعجلةِ، ولا هزء البشر الأنانيين ،ولا تحيّاتهم التي لا صدقَ فيها،ولا كلّ ما في الحياة اليومية من علاقات مُحزنة ،بقادرة على هزيمتنا، ولا على تعكيرِ إيماننا الفرِح بأن كلّ ما نراهُ مُفعمٌ بَرَكَة.

ــ ويليام ووردزوورث 

هكذا يستنجد الشاعر بالرّيفِ لمواجهةِ الآثارِ الخبيثةِ لعيشة المُدن ، يقول آلان دو بوتون ، وأتفقُ تمامًا بكل السموم التي ابتلعناها في التمدن، إنّ الحيَاةَ البسيطة والمفعمة بالطبيعةِ، لهيَ الطريق إلى النّفس والابحار فيها ، دون جدال أو ضجيج، العزلة في منزلٍ جبليّ أو العيش أمامٍ ساحل تجرّ أمواجه أفكارنا وضياعنا ويعيد النسيم إلينا صوابنا الذي فقدناه تحت وطأة المكانة الاجتماعية والزملاء والأحكام المُطلقة التي ببساطة لسنا بحاجةٍ لها … 

 

  

Powered by WordPress.com.

Up ↑