
أن تسافر في روحكَ عبر الكتاب، إن صحّ ذلك، فنّ السفر كتابٌ جذبني مُترجمه أكثر من عنوانه، للمترجم السوري الحارث النبهان، والكاتب الآن دو بوتون، يأتي على صورة نصوص فلسفية تحت عناوين عريضة والعناوين العريضة تندرج تحت فصول عديدة، الكتاب كاملًا تشعر فيه بحيويةٍ ما، يشدّك إلى مغامرة معينة حتى لو كانتِ المغامرة في غرفتك الخاصة، فكان له رأي جميل بأن (ثمة بعض الناس ممن عبروا الصحاري، وتسلقوا جبال الجليد العائمة، وشقّوا طريقهم بين الأدغال، لكننا نفتش في أرواحهم عما شهدوه وعاشوه فلا نعثر على شيء. وأما كزافييه دو ميستر الذي ارتدى بيجامة وردية وزرقاء وقَنِعَ بالبقاءِ ضمن حدود غرفته، فهو يحثّنا حثًا لطيفًا على أن نحاول ملاحظة ما رأيناه وما نراه دائمًا قبل أن نشدّ الرحال إلى أصقاع بعيدة.)
أمّا أنا؟ علِقتُ في الفصل الخامس، تحت العنوان العريض (المَشاهدُ من حَولِنا) وكان يندرج أسفله عنوان آخر (في المدينة والرّيف) ؛ لكَم لامسني هذا الفصل، وودتُ أن أخبرَ العالم كله عنه، العالم من حولي، الغارق في المدينةِ وتبعاتها، وأنا .. أوّلهم! ، ثمّة الكثير من الاقتباسات التي وقفتُ لديها، والتي جعلتني أستصغر كلّ شيء أحمق أمرّ به في العملِ، في الطرقات ، في السوبرماركت و في كلّ مكان … كانت وجهة نظر الكاتب متأثرة بنصوص للشاعر (ويليام ووردزوورث) الذي لم يكن شعره يُعجبُ أحدًا آنذاك، فأحدهم راجع أشعاره وقال بأنها (سخفٌ طفوليّ) ثم تساءل إن كان يتعمد أن يجعلَ نفسه أضحوكةً ؟
الشاعر ويليام، كان متأثرًا جدًا بالطبيعة وكيف كان لها أثرها العظيم على نفسه، كلماته أشبه بالتأمّل، وأقرب لأن تكون ترنيمةً للتشافي، تحت أثرِ الجبال والشلالات والزهور والوديان، كان يقول أن ( قَدَرُ قَصائدي أن تكونَ مواساةً للمجروح)
” وذلك أنّه كان يرى أن أثرً المدنِ على أرواحنا مدعاة للقلق، أكثر من أثرها على صحتنا، اتهم الشاعر المدنَ بأنها تشجع مجموعةَ مشاعر تدمر الحياة؛ قلقنا على مراكزنا ضمن التراتب الاجتماعي؛ وما يثيره نجاح الآخرين من حسدٍ في نفوسنا؛ وغرورنا ورغبتنا في أن نبدوَ لامعين في أعينِ الآخرين . “
ـــ آلان دو بوتون
في الحقيقة اهتمامنا بالآخر هو الجرف العالي الذي آجلا أم عاجلًا سوف نهوي منه، بكل ألم، والمدينة، تُثير هذا الشعور، والتنافس عالٍ في الساحة، كأن لابدّ لنا أن نهتمّ لهراء الجميع وكلامهم، فتخيل مثلا، أن يظنّ طبيبٌ ما أن رأيه يجب أن يُسمع لمجردِ مكانته الرفيعة، حتى إن كان الرأيّ ليسَ طبيًا بل شخصيًا، حتّى وإن كان الرأيّ ليس للمريضِ بل للموظفين حوله، إنّه الغرور . وتظلّ أنتَ تستمع لهذا ، وتصغي لذاك ، بينما أنتَ نفسك لا تسمع صوت نفسك، وتظلّ تائهًا حتى تسقط من ذلك الجرف، وتتأذى كثيرًا .. وتقرّر الهروب نحو عزلة مناسبة تُعيد صوابك فيها .
” قاطني المدن الذين صاروا يفتقرون إلى القدرة على النّظرِ إلى حياتهم، فهم واقعون تحت رحمة ما يُقال في الشوارعِ، أو على موائدِ الطعام، ومهما يكن عيشهم رغدًا، فإن لديهم رغبة لا تهدأ في الحصول على أشياء جديدة لا هم في حاجةٍ حقيقةٍ إليها ولا سعادتهم متعلّقة بها ، في هذا المناخ المزدحم القَلِق ، تبدو إقامة علاقات صادقة مع الآخرين أشدّ صعوبة منها عندما يكون المرء في منزلٍ منعزل . “
ــ آلان دو بوتون
كيف يمكن للمرءِ إقامة علاقة صادقة مع الآخرين بينما هو، نفسه، ليسَ صادقًا مع نفسه؟ إن كانَت بوصلة رغباته ومشاعره كلّها باتجاه أمور سطحية، كإسم الماركة التي يجب أن يرتديها، أو قيمة ساعة اليد التي تقيّد معصمه، بينما أفكاره وطموحه لا تتعدى مظهره، كيف يمكن للحوار أن يكون عميق وذو معنى معه؟ سنُعجب بما نراه من مظهر نعم، لكن صدّقني، ستمرّ الأيام وتلعن نفسك إذ جعلته يدخل دائرتك لفرطِ التفاهة والفراغ ، وهذه القاعدة ليست عامّة، لكنّها غالِبة .
” فقد تثير فينا صحبة بعض الناس كرمًا ورِقّة ، في حين يوقظ غيرهم في نفوسنا أحاسيس الحسد والتنافس. من هنا، يمكن أن يقود الانشغال بالمكانة والدرجة الاجتماعية واحدًا من الناس (وليكن اسمه (ب)) ، إلى القلقِ على مكانتهِ وأهميته بين الناس (يحدث هذا على نحوٍ خفيّ لا يكاد يُحسّ) ، مع أن النكات التي يلقيها (آ) توقظ في داخله احساسًا بالسخف والتفاهةِ كان قبل ذلك هاجعاً . ماعلينا إلا أن ننقل (ب) إلى بيئةٍ أخرى حتى يتغير ما يجول في ذهنه ، تغيرًا رفيقا ، استجابةً لمن يُحدّثه . “
ــ آلان دو بوتون
أؤمن بنظرية التفاحة الفاسدة تُفسد ما حولها، والصحبة المُتعبة قد تُغرقنا في توترّ لا نهائيّ، يظل يمزّقك العيش والملح ما بينكما في حين أنّ أوّل بوابة هروب قد تُسعف قدميك للرحيل ستجري نحوها، الحياة قصيرة للغاية حتّى نختار ما يرهقنا باستمرار، نحن بالكاد ننجو في حياتنا مما يُصارع الحياةَ ذاتها ، ما بالك بجلب الهمّ بيديك وقدميك لحياتك في حين يمكن ايقاف هذا كلّه، نحن لا نعقد وثيقةَ التزامٍ بالآخرين .. والآخرين هُمُ الجحيم كما يقول سارتر .
”هكذا تستطيع الطبيعة تعليم العقل الكائن فينا، وهكذا تطبعهُ بخاتم السكينةِ والجمال،وهكذا تُرضِعهُ أفكارًا ساميةً ،فلا تعودُ الألسن الخبيثةِ، ولا الأحكامِ المتعجلةِ، ولا هزء البشر الأنانيين ،ولا تحيّاتهم التي لا صدقَ فيها،ولا كلّ ما في الحياة اليومية من علاقات مُحزنة ،بقادرة على هزيمتنا، ولا على تعكيرِ إيماننا الفرِح بأن كلّ ما نراهُ مُفعمٌ بَرَكَة. “
ــ ويليام ووردزوورث
هكذا يستنجد الشاعر بالرّيفِ لمواجهةِ الآثارِ الخبيثةِ لعيشة المُدن ، يقول آلان دو بوتون ، وأتفقُ تمامًا بكل السموم التي ابتلعناها في التمدن، إنّ الحيَاةَ البسيطة والمفعمة بالطبيعةِ، لهيَ الطريق إلى النّفس والابحار فيها ، دون جدال أو ضجيج، العزلة في منزلٍ جبليّ أو العيش أمامٍ ساحل تجرّ أمواجه أفكارنا وضياعنا ويعيد النسيم إلينا صوابنا الذي فقدناه تحت وطأة المكانة الاجتماعية والزملاء والأحكام المُطلقة التي ببساطة لسنا بحاجةٍ لها …