قراءة لـ (شهر العسل)

المرّة الأولى التي أقرأ فيها لنجيب محفوظ ، كنت مسبقًا قد بنيت توقعات لضخامةِ هذا الاسم أدبيًا، تخيّلت لغته صعبة ولفرطِ بلاغتها لا تُفهَم، لكن كان عكس توقعاتي .. بل أجمل من تلك التوقعات بكثير! ، كتاب شهر العسل عبارة عن مجموعة قصص قصيرة ، وجدتها ملائمة للتمثيل المسرحي أو حتى للأفلام. نجيب محفوظ يستطيع أن يجلبك للمشهد وتكون المستمع للشخصيات والمُشاهد والمُتفاعل أيضًا، بساطة لغته وذكاء النهايات يجعلك تريد أن تعيد قراءة القصة مجددًا لتحظى بشعور الدهشةِ في الخاتمة مرّة أخرى. 

أحببتُ كثيرًا قصة (فنجان شاي) تقع في الصفحةِ واحد وسبعين، ومنها أتخذُّ هذا الاقتباس كصُدفةٍ موجعة وحقيقيّة تحاكي أحداث هذه الفترة المؤلمة فيما يفعله الاحتلال الصهيوني البشع في غزّة : 

لا مكان إلّا لنوعين من الانسان ،واحدٌ يقاتل بقلب ملؤه الشرّ، وآخر يقاتل بقلبٍ ملؤه الخير .  

فلا تتخيل، بل يحدث فعليًا، أن هذين النوعين اجتمعا، وقبضة الشرّ تعيث في الأرض جراحًا كثيرة، يشدّني الكاتب التي جملته لا تنتهي في زمنهِ، بل تستمر، تصف الأزمنة الأخرى حتى ولو بعد عقود من الزمان ، إن ما يجعلنا نبحث عن الكتّاب القديمين هو ضحالةِ ما يُكتب الآن، لا أُعمّم هذهِ الفكرةَ لكن، لماذا ذكرتُ في الأعلى أنني قد بنيت توقعات ما قبل قراءتي لنجيب ؟ لأن الآن يبدو الأدب لدى الكتّاب الذين يمارسون (الحشوّ البلاغي) هكذا، الصّعب المُريع،  فتقف عندَ جملة تتكون من أربع أو خمس كلمات تُفقدك عقلك لصعوبة تأويلها، كما لو أنّ كلما زادت عضلاتك اللغوية والبلاغية كنتَ كاتب هذا العام ، ولفرطِ صعوبتها سوف تُنسى وتنسحب تلك العُقد من ذاكرتك مباشرةً، بِخلافِ أن يأتيك كاتب مثل نجيب بسطر بسيط يُعبرّ فيه عن فكرةٍ ما ويجعلك ترى هذا يحدث الآن ، رغم أن الجملةَ مضى عليها ثلاثة وخمسين عامًا ولا زالت حاضِرة . 

  إنَّ الغَرقى في ذمَّةِ المتفرجين ….   

لا أعرف كيف أصف هذا الاقتباسِ حقًا لكنّه بدى لي كالحقيقةِ التي لا أريد ابتلاعها وأختنق بها أصلا، كم مرّة قرأتُه وأحسستُ أنّي في مجموعةِ المتفرجين؟ إن العجزَ الذي يستبدّ بي تجاه القضية الفلسطينية يجعلني فعلًا أرى الغرقى.. الغرقى بدمائهم يستنجدون الجميع، والإغاثةَ عالِقة، والغيض يحتشد في حناجرنا .. والدّمع لا يُسعف أحدًا. 

واقعية اللغة وذكاءها كانت حاضرة بجمال وهدوء في هذه المجموعة، بل تشجعتُ لاقتناء المزيد لـ نجيب محفوظ، يمكنك الانتهاء من قراءة مؤلفاته في وقت قصير لخفّة المحتوى وثقلَ الفِكر في آنِ واحد . 

قراءَة لـ يَافا

حسنًا، في بادىء الأمر كنتُ سأتوقف عن قراءةِ الرواية لحظةَ أن عرفت أن “يافا” ليستِ المدينة، وأنا ظننتُ الرواية أو فلنقل “الخواطر” كُتبت عن المدينة حُبًا في قراءةِ فلسطين من عينٍ فلسطينية..تزامنًا مع الأوجاع التي تحدث حاليًا في غزّة . لكن، للأسف كان العنوانُ شيء، وكذلك غلاف الكتاب شيء، والمحتوى شيءٌ آخر ومختلف عمّا توقعته أو رجوته، عَلِقتُ في ربعها الأوّل وفضّلت أن أعطيها فرصةً ثانية لعل المتعةَ مختبئة هنا أو هناك … 

“الرواية” أقربُ لأن تكون نصوص أدبية عاطفية بشكلٍ مبالغ فيه أو هكذا بدا لي . لا أحداثَ سوى حدث مكرر وهو مراسلة صحفيّة و التي لم تختر لها الكاتبة اسمًا لشخص مغترب لم يحظى باسم أيضًا، وهذا الشخص لا يبادلها الحب كما تريد، وأحيانًا يبادلها الحب الذي تريد، بالأحرى ؛ طغت فكرة الفتاة التي قد تموت لأجل رجلٍ بشكل مراهق للأسف، وهذا الرجل يأتي ويرحل بمزاجه وهي حاضرة هناك بضعفٍ ولهفة مزعجة.. مفردات الشوق والفقد والحنين كانت منهِكة لكثرتها، برغم لغة الكاتبة الجميلة ، كانت الفكرة ركيكة إلى حد ما. 

أظنّ أن الكاتبة لم توفق كثيرًا في كل شيء، بدءًا من اختيار اسم الرواية وصولاً للمحتوى وأيضًا الخاتمة، الجزء الأخير منها كان للأمانةِ الأكثر امتاعًا، تقريبًا آخر خمسين صفحة؟ المهم ثمّة أحداث بين حسن و”يافا” وزمانٍ ومكان، لو أنّها وظفت طاقتها اللغوية في هذا الجزء ليكونَ الغالب بالتفاصيل كلّها لكان مناسبًا حتى مع اسم الرواية، فكانت الرواية تتحدث أغلبها عن الصحفية والجزء الخاص بيافا كان قصيرًا جدًا! 

ثمّة معلومات لم تكن منطقية بشكلٍ كافٍ وعدم توافقها الزمني أدى إلى بِضعُ هشاشة في بناء الرواية، كالحرب الأهلية التي حدثت في لبنان وتوقيت دراسة حسن هناك، كيف أمكنه التخرج ولبنان في حالة حربٍ مستعرة؟ ، أيضاً .. قرأتُ اقتباسًا كنتُ متأكدةً أنه ليس لمحمود درويش بل لـ الطغرائي – ما أضيقَ العيش لولا فسحة الأملِ – ونسبتهُ الكاتبة إليه لا أعلم لماذا؟ وأعتقدُ أنها هفوة كبيرة سقطت من دار النشر أولاً – بعدم تدقيقهم المناسب – والكاتبة ثانياً . 

الأدب الفلسطيني ، أو أدب الحب والحرب لابد أن ينتزع الأوجاع من قلوبنا ويضعها على محجر العين، وإن لم تكن العين تبكي فالحرقة تقف في الحلق، يجعلنا الأدب أو الفنّ نرى شخوصهم في حاضرنا كما لو أننا عشنا معهم، في لجوئهم، في معاناتهم، في شهادتهم، في حرقة قلوبهم، لكن للأسف لم يتحقق ذلك ، أو لم يكن هذا هدف الكاتبة. 

لعل رأيي قاسٍ لكنني متأكدة أن اللغة الجميلة التي تملكها الكاتبة يمكنها أن توظفها في روايات ومستقبل أدبيّ باهر ..

قراءة لـ إنسان مُفرطٌ في إنسانيّته

سأعترفُ بأنّ الكتاب برغم صفحاته القليلة ، ولغته البسيطة، إلا أن الكثير من المقاطع التي قرأتها شعرت بحاجةٍ لأحدِ الفلاسفة بأن يساعدني في فهمها ، إنها عميقة للغاية، برغم الوضوح هي أيضًا معقّدة ! ، لا أعرف كيف أشرح هذا لكن، في المجمل الكثير مما يواجهنا ونواجهه في الحياة كُتبَ هناك .. وكم يبدو أن تكون حرّا صعبٌ للغاية. 

فالتحرّر من وجهة نظر نيتشه ليس من الآخرين، بل ، من الانسان نفسه .. كيف يتحرر من أفكاره ومعتقداته الخاصة وأنانيته المفعمة؟ حتى وإن أظهرَ عكس ذلك، ثمة تشبث لا ملحوظ في عاداتنا، أفكارنا التي كبرنا عليها ، لعلها ليست صحيحةً، لن أقول كلّها بل بعضها، مشاعرنا، كيف نتحرر منها ؟ الانسان الحرّ حقًا، لا يقيّده الكره أو يعلّقه الحب، لا يتحيّز أو ينفر .. فهوَ حُرّ طليق من كل شيء ، كل شيء. 

ومن بابِ الإنسانيةِ؟ فلا تخولنا (معرفةً) ما بأحدٍ ما أن تكون لدينا صلاحية في تقييم أفعالهم وقراراتِهم فلسنا نحن من كنا في مواقفهم آنذاك وكم يسهل التعليق على الآخرين من البعيد .. طالما لا يطالنا شيء من واقعهم وحياتهم . 

معرفةَ إنسان بشكل عمليّ ومهما كانَ قريبا منا لا يمكن أن تكونَ كاملةً، بحيث نستطيع امتلاك الحق المنطقي في تقييمه بدقة ؛ إن جميعَ التقييماتِ موجزةٌ ويجب أن تكونَ كذلك ، ثمّ إن المعيارَ الذي نستخدمهُ في القياسِ ليس كمية ثابتة؛ إذ لدينا أمزجتنا واختلافاتنا، ومع ذلك لابدّ لنا من تعريف أنفسنا كمعيار ثابت لنستطيع تحديد طبيعة علاقة أي شيء بنا .

ـــ فريدريك نيتشه

فمثلًا مثلًا، أن تقول لإنسانٍ تظنّ أنّك تعرفه بناءً على كلام الآخرين عنه، أنّهُ باعَ أرضه ، بينما أنت لا تعلم ماضيه ولا تاريخ تلك الأرض، أنت مُغيّبٌ عن الحقائق، بل إن الحقائقَ جاءتك مُلوّثةٌ بسارقي تلك الأرض، إن الحقائق لا يعلمها إلا الله وأولئك الشهداء الذين سقطوا على أرضهم .. التي لم يساوموا عليها ، فنحنُ نرى اليوم، من الذي يقف مكتوف اليدين، ومن الذي يظل صامدًا فوق أرضه ، تُذبح نساءه أمام عينيه، ويموت أطفاله أسفلَ منزله، تحتَ القصفِ والطغيان، ويشيخ بوجع مديد وحرقة لا تنقضي إلا بعودة الأرض لأهلها ، أن تقول لهذا الانسان، أنّه رضى بذلك وسكت أمام الأموال، تلك هي اللإنسانية في حينِ أنّه يتجرّع الدم والجثث والبارودَ منذ الطفولة . 

إنّ العالمَ الغربيّ اليوم ، وعلى رأسهم نيتشه، هذا الفيلسوف المتحذلق، قد أثرّ على حضاراتنا ووجودنا وثقافتنا، قد أثرّ علينا فظننا أنّ العالم الغربي هو العالم الإنسانيّ، الذي يخلو من فضائع اللاإنسانية، بينما اليوم هم من يمارسون ذلك على فلسطين الأبيّة والشعوب الحرّة … 

من سمات الحضارة المتقدمة أنها تنمو بما هو أدنى .

ـــ فريدريك نيتشه

في حينِ أنّ حضارة الغرب المزعومة، تنبذ كلّ ما هو أدنى، في صراعهم المستمرّ مثلا مع أصحاب البشرةِ السوداء باعتبارهم أشخاص أدنى ، فالسمو مربوطٌ ببياض البشرةِ واحمرار الخدين .. 

الجمال العقلاني ينتشرُ ويتعمقُ على الدوام ، ويجب أن يكونَ الجانب العقلاني والداخليّ لكل الأشياء ذا أهميةٍ أكبر بالنسبة لنا من أكثر الصور الخارجية روعةً وجمالاً

ـــ فريدريك نيتشه

في حين تهميش العقول العربية ووصفها بالبدويةِ الجاهلة، هيَ نهجهم في تصنيفنا بلا انسانية، إن العلوم كلّها سُرقت من الشرق الأوسط، وإن العقول الجميلة لا تزال تصارع الغرب الجاهل، الذي يظن دائما أن تصنيف الناس بيده، هذا عربيّ ، هذا أسمر، هذا بدويّ ، هذا أسيويّ … ولكن الله كرّم الإنسان بآياته في قوله تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) .

فالتقوى، هي العقل، الذي ميّزنا الله به ، وحرمه من الغربِ الفاجر … 

قِراءة لـ فنّ السّفر

أن تسافر في روحكَ عبر الكتاب، إن صحّ ذلك، فنّ السفر كتابٌ جذبني مُترجمه أكثر من عنوانه، للمترجم السوري الحارث النبهان، والكاتب الآن دو بوتون، يأتي على صورة نصوص فلسفية تحت عناوين عريضة والعناوين العريضة تندرج تحت فصول عديدة، الكتاب كاملًا تشعر فيه بحيويةٍ ما، يشدّك إلى مغامرة معينة حتى لو كانتِ المغامرة في غرفتك الخاصة، فكان له رأي جميل بأن (ثمة بعض الناس ممن عبروا الصحاري، وتسلقوا جبال الجليد العائمة، وشقّوا طريقهم بين الأدغال، لكننا نفتش في أرواحهم عما شهدوه وعاشوه فلا نعثر على شيء. وأما كزافييه دو ميستر الذي ارتدى بيجامة وردية وزرقاء وقَنِعَ بالبقاءِ ضمن حدود غرفته، فهو يحثّنا حثًا لطيفًا على أن نحاول ملاحظة ما رأيناه وما نراه دائمًا قبل أن نشدّ الرحال إلى أصقاع بعيدة.) 

أمّا أنا؟ علِقتُ في الفصل الخامس، تحت العنوان العريض (المَشاهدُ من حَولِنا) وكان يندرج أسفله عنوان آخر (في المدينة والرّيف) ؛ لكَم لامسني هذا الفصل، وودتُ أن أخبرَ العالم كله عنه، العالم من حولي، الغارق في المدينةِ وتبعاتها، وأنا .. أوّلهم! ، ثمّة الكثير من الاقتباسات التي وقفتُ لديها، والتي جعلتني أستصغر كلّ شيء أحمق أمرّ به في العملِ، في الطرقات ، في السوبرماركت و في كلّ مكان … كانت وجهة نظر الكاتب متأثرة بنصوص للشاعر (ويليام ووردزوورث) الذي لم يكن شعره يُعجبُ أحدًا آنذاك، فأحدهم راجع أشعاره وقال بأنها (سخفٌ طفوليّ) ثم تساءل إن كان يتعمد أن يجعلَ نفسه أضحوكةً ؟ 

الشاعر ويليام، كان متأثرًا جدًا بالطبيعة وكيف كان لها أثرها العظيم على نفسه، كلماته أشبه بالتأمّل، وأقرب لأن تكون ترنيمةً للتشافي، تحت أثرِ الجبال والشلالات والزهور والوديان، كان يقول أن ( قَدَرُ قَصائدي أن تكونَ مواساةً للمجروح)

وذلك أنّه كان يرى أن أثرً المدنِ على أرواحنا مدعاة للقلق، أكثر من أثرها على صحتنا، اتهم الشاعر المدنَ بأنها تشجع مجموعةَ مشاعر تدمر الحياة؛ قلقنا على مراكزنا ضمن التراتب الاجتماعي؛ وما يثيره نجاح الآخرين من حسدٍ في نفوسنا؛ وغرورنا ورغبتنا في أن نبدوَ لامعين في أعينِ الآخرين .

ـــ آلان دو بوتون

 في الحقيقة اهتمامنا بالآخر هو الجرف العالي الذي آجلا أم عاجلًا سوف نهوي منه، بكل ألم، والمدينة، تُثير هذا الشعور، والتنافس عالٍ في الساحة، كأن لابدّ لنا أن نهتمّ لهراء الجميع وكلامهم،  فتخيل مثلا، أن يظنّ طبيبٌ ما أن رأيه يجب أن يُسمع لمجردِ مكانته الرفيعة، حتى إن كان الرأيّ ليسَ طبيًا بل شخصيًا، حتّى وإن كان الرأيّ ليس للمريضِ بل للموظفين حوله، إنّه الغرور . وتظلّ أنتَ تستمع لهذا ، وتصغي لذاك ، بينما أنتَ نفسك لا تسمع صوت نفسك، وتظلّ تائهًا حتى تسقط من ذلك الجرف، وتتأذى كثيرًا .. وتقرّر الهروب نحو عزلة مناسبة تُعيد صوابك فيها . 

قاطني المدن الذين صاروا يفتقرون إلى القدرة على النّظرِ إلى حياتهم، فهم واقعون تحت رحمة ما يُقال في الشوارعِ، أو على موائدِ الطعام، ومهما يكن عيشهم رغدًا، فإن لديهم رغبة لا تهدأ في الحصول على أشياء جديدة لا هم في حاجةٍ حقيقةٍ إليها ولا سعادتهم متعلّقة بها ، في هذا المناخ المزدحم القَلِق ، تبدو إقامة علاقات صادقة مع الآخرين أشدّ صعوبة منها عندما يكون المرء في منزلٍ منعزل .

ــ آلان دو بوتون

كيف يمكن للمرءِ إقامة علاقة صادقة مع الآخرين بينما هو، نفسه، ليسَ صادقًا مع نفسه؟ إن كانَت بوصلة رغباته ومشاعره كلّها باتجاه أمور سطحية، كإسم الماركة التي يجب أن يرتديها، أو قيمة ساعة اليد التي تقيّد معصمه، بينما أفكاره وطموحه لا تتعدى مظهره، كيف يمكن للحوار أن يكون عميق وذو معنى معه؟ سنُعجب بما نراه من مظهر نعم، لكن صدّقني، ستمرّ الأيام وتلعن نفسك إذ جعلته يدخل دائرتك لفرطِ التفاهة والفراغ ، وهذه القاعدة ليست عامّة، لكنّها غالِبة . 

فقد تثير فينا صحبة بعض الناس كرمًا ورِقّة ، في حين يوقظ غيرهم في نفوسنا أحاسيس الحسد والتنافس. من هنا، يمكن أن يقود الانشغال بالمكانة والدرجة الاجتماعية واحدًا من الناس (وليكن اسمه (ب)) ، إلى القلقِ على مكانتهِ وأهميته بين الناس (يحدث هذا على نحوٍ خفيّ لا يكاد يُحسّ) ، مع أن النكات التي يلقيها (آ) توقظ في داخله احساسًا بالسخف والتفاهةِ كان قبل ذلك هاجعاً . ماعلينا إلا أن ننقل (ب) إلى بيئةٍ أخرى حتى يتغير ما يجول في ذهنه ، تغيرًا رفيقا ، استجابةً لمن يُحدّثه .

ــ آلان دو بوتون

أؤمن بنظرية التفاحة الفاسدة تُفسد ما حولها، والصحبة المُتعبة قد تُغرقنا في توترّ لا نهائيّ، يظل يمزّقك العيش والملح ما بينكما في حين أنّ أوّل بوابة هروب قد تُسعف قدميك للرحيل ستجري نحوها، الحياة قصيرة للغاية حتّى نختار ما يرهقنا باستمرار، نحن بالكاد ننجو في حياتنا مما يُصارع الحياةَ ذاتها ، ما بالك بجلب الهمّ بيديك وقدميك لحياتك في حين يمكن ايقاف هذا كلّه، نحن لا نعقد وثيقةَ التزامٍ بالآخرين .. والآخرين هُمُ الجحيم كما يقول سارتر . 

هكذا تستطيع الطبيعة تعليم العقل الكائن فينا، وهكذا تطبعهُ بخاتم السكينةِ والجمال،وهكذا تُرضِعهُ أفكارًا ساميةً ،فلا تعودُ الألسن الخبيثةِ، ولا الأحكامِ المتعجلةِ، ولا هزء البشر الأنانيين ،ولا تحيّاتهم التي لا صدقَ فيها،ولا كلّ ما في الحياة اليومية من علاقات مُحزنة ،بقادرة على هزيمتنا، ولا على تعكيرِ إيماننا الفرِح بأن كلّ ما نراهُ مُفعمٌ بَرَكَة.

ــ ويليام ووردزوورث 

هكذا يستنجد الشاعر بالرّيفِ لمواجهةِ الآثارِ الخبيثةِ لعيشة المُدن ، يقول آلان دو بوتون ، وأتفقُ تمامًا بكل السموم التي ابتلعناها في التمدن، إنّ الحيَاةَ البسيطة والمفعمة بالطبيعةِ، لهيَ الطريق إلى النّفس والابحار فيها ، دون جدال أو ضجيج، العزلة في منزلٍ جبليّ أو العيش أمامٍ ساحل تجرّ أمواجه أفكارنا وضياعنا ويعيد النسيم إلينا صوابنا الذي فقدناه تحت وطأة المكانة الاجتماعية والزملاء والأحكام المُطلقة التي ببساطة لسنا بحاجةٍ لها … 

 

  

قراءَة لـ رَغْوَةٌ سَودَاء

أغمضَ عينيه، وقد شعرَ بروحهِ رغوةً تطفو على السطح – حجي جابر

لا يمكنني تحديد متى كانت آخرَ مرّة تأثرتُ فيها جرّاء قراءتي لرواية، وذلك كما يبدو أنّه منذ زمن بعيد للغاية، ازددتُ تعلقاً بالرواية تدريجياً حتى سحبني جوفها الأسود للأعماق دون انقطاع وصولاً للنهاية، وددتُ ألّا أرى النور! فقد كان شعاعُ الخاتمةِ مدوياً ومؤلمًا جدّاً إلى حد البكاء. 

الحكاية كيفَ مضت برشاقةِ قلم الكاتب بين (داود وداويت وديڤيد) كَحَلَقةٍ تُعيد نفسها بكاملِ الهرب الأليم نحو الأمل المزعوم ثمَّ التشظي -حد الموت- على طرقات المهجر . انسيابية السرد وانسانيةَ المحتوى كانت قوةً تشدّ كامل حواسي لإكمال الرواية بتلذذ حتى آخر قطرة، إنها حقًا رائعة وإن وصفتْ حالاً مضنيًا وحياةً بائسة.   

الإرتريّ لا يعرف الغضب، هو يحزن وينكسر وينزوي فقط، لكنّه لا يغضبْ. الغضبُ ترفٌ عندَ المغلوبين، بينهم وبينه سياجٌ من الإذلال والإخضاع. الغضبُ فعل إرادة، والمغلوب منزوع الإرادةِ والقرار. ــــ حجي جابر 

سيبدو الأمر غير عادل أنّ أختارَ اقتباسًا واحدًا، الرواية مليئة بالوقفات والتأمّل، لها أبعادَ نفسية كثيرة.. إن لم تكن إرتريًا، وإن لم يشِر الكاتب إليك، فهو بطريقة وأخرى يصف حالاتك أيضًا، أوجعها وأكثرها راحَة، أحزنها وأشدّها سعادةً، سيصف اضطرابك واستقرارك أيضًا .. ويمكنك لوهلةٍ أن تتقمص كلّ أدوارها لفرطِ واقعية هذه الرّائعة الأدبية. 

قراءة لـ المزدوج

غالباًيفقد السيطرة على نفسِه قليلًا كلما كان عليه أن يواجهَ أحدًا ليحدّثه عن شأنٍ من شؤونه الخاصة، فإنه، في هذه المرّة أيضًا، ونظرًا إلى عدم تحضيره مسبقًا للجملةِ الأولى التي بالنسبة إليه مفتاح لكل ما سيأتي بعدها، اضطربَ تماماً وأخذَ يتلعثم ويتمتم بكلام – قد يكون نوعاً من الاعتذار -،  ولأنه لم يدرِ كيف يتصرف إثرَ ذلك فقد لجأَ إلى أوّل مقعد صادفه وجلس. ولكنه سرعان ما انتبه إلى أنه جلس دون أن يُدعى إلى ذلك، فقامَ من على الكرسي على الفور كي يصحّح خطأه الذي يتنافى معَ قواعد الآداب الاجتماعية المتعارف عليها . لكن سرعان ما تراجع عن فكرتِهِ بعد أن شعرَ أنه إذا ما وقف فإنه سيرتكب خطأ آخر. وقرّر أن يرتكبَ خطأً ثالثا حين حاول أن يفسّر ما أقدمَ عليه …ـــ دوستويفسكي

هذه المرّة الأولى التي أقرأ فيها لـ دوستويفسكي ، لطالما مرّت أمام عيني الكثير من الاقتباسات المذيّلة باسمه، وكانت اقتباسات غالبًا صائبة وعميقة، ليست على نحوٍ عاطفي وحسب ولكنّها أيضًا واقعية إلى حدّ غريب.. ذلك أنّ الكتابةَ والأفكارَ في أي عام و قرنٍ كانت، فهي تظلّ حيّةً حتى وإن مرّ عليها الزمان بأقدامَ وعكاكيز… 

قررتُ القراءة له من هذا المنطلق وأظنني كنتُ موفقةً في اختيار (المزدوج) التي نُشرت في عام ١٨٤٦ م ، يتحدث فيها عن بطل الرواية السيد (غوليادكين) وازدواجيته أو فلنقل أيضًا جنونه! سترى الشخصية أمامك بل وقد تثير غيضك لمحاولة فهم مايجري لفرط الازدواجية وتقلّب الآراء وكذلك قد تتخبط مع السيد غوليادكين في كلّ عثراته النفسية واضطرابه الجليّ . 

يمكنكم فهم ما أقصده تماماً في قراءة الاقتباس أعلاه، كيف أنّه قد يتصرف بشكلٍ عفويّ ثمّ يتساءل ما إن كانَ ما فعله أمرٌ مُناسب وأيضًا قد يبدّل رأيه في الثانية التي تليها بشكل مختلفٍ تمامًا تجعل القارىء ربما يضحك أو يشعر بالشفقة عليه، أو لعلّ القارىء يشاركه الشعور ويغرق في التيه نفسه والاضطراب في اتخاذ قرار بسيط كالجلوس على مقعد ! 

يؤسفني أن النّهايةَ ربما كانت مفتوحةً، أو أنها قُفِلتْ ولكن بشكل عاجل حتى بدت أن الفكرةَ كما لو أنّها لم تكتمل، أوّد لو أن العمل يصبح فيلمًا.. كنتُ أستطيع رؤيةَ المشاهد في خيالي باندماج شديد، لكنّها كلّها أحداثَ بطيئة للغاية، قد تُصاب حينًا بالملل أثناءَ قراءتها، وحينًا قد تجذبك المزيد من الصفحات لمعرفة النهاية.

” سأُطلِعكما على مبادئي في الحياة : الصمود عند الاخفاق،  المواظبة عند النجاح؛ الابتعاد عن الدسائس، وعن تدبير المكائد…ـــ دوستويفسكي

برغم اضطرابه، ثمة الكثير من الحكمة التي تفوَّه بها السيد (غوليادكين)؛ الأمر الذي يجعلك تصدق مقولة ”خذوا الحكمةَ من أفواه المجانين“  برغم نفور الناس من حوله واشمئزازهم من غرابة تصرفاته، كان حكيمًا في مواضعَ مختلفة. 

ختامًا، أحيانًا أتمنى قراءةَ العمل بلغته الأصلية لا عن ترجمة، أظن ثمة بريق يُفقد من الرواية حينما يكون أسلوب الكاتب مُشترك مع المترجم. 

قراءة لـ العالق في يوم أحد

كلّما اقتربتْ الساعة من الثانية عشرة ليلاً، فكّرَ في القفزِ من نافذة الأحد،وليحدث مايحدث، غيرَ أنّه في الحقيقة يخاف أن يرتطم بالجمعة. ــــ عبدالله ناصر

“   

 لعلّها (مجموعة قصص قصيرة) أو (خواطر) لم أستطع تصنيفها تمامًا،هي مجموعة نصوص مختلفة لا تتجاوز الواحدة منها صفحتين، أُعجبتُ (بسيريالية) الأفكار إن كنتُ سأكون دقيقة في وصفها بكلمة، أنّ ثمّة الكثير من الأوجه اللاواقعية لمشاعر وأفكار الكاتب، لكن في المقابل كانت الرمزيّة عالية المقدار في نصوص كثيرة لدرجة الوصول إلى انعدام المعنى أو بُهتانه، ذلك ما يضطرّ القاريءَ أن يعيد التأمل في نهايات النصوص أملًا لفهم ما يرمي إليه الكاتب أو رغبةً في الوصول إلى نقطةِ ختامٍ قد تجمع إبداع لغةِ الكاتب في وعاء مناسب دون أن تفيضَ العُقدُ الكثيرة التي حبكها إلى حدّ التسرّب مباشرةً من ذاكرة القاريء دون أن تتركَ أثرًا .

الغموض جيّد في مواضعَ اختارها، لكن كان زائدًا عن الحدّ في أغلب النصوص، يحضرني كثيرًا قول غسان كنفاني : ( ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقدة، وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة، إنّ الانحياز الفني الحقيقي هو : كيف يستطيع الانسان أن يقولَ الشيء العميق ببساطة!) .

لن تكون قراءة أخيرة للكاتب المبدع عبدالله ناصر، فلغته جميلة وأسلوبه جاذب وتودّ لو تفهم تمامًا الصورَ السيريالية التي ألّفها بحرص تامّ في مجموعته، مع خالص تمنيّاتي له بالابداع المستمرّ.  سأختم قراءتي باقتباسٍ أعجبني من نصّ (الآخر)، : 

   

”   يخافُ المرآةَ إلى درجةٍ لم يعدْ يتوقف أمامها حتّى عندما يغسل أسنانه، أو يحلق ذقنه، خصوصًا عندما يحلق ذقنه. يخاف، وفي يدهِ موس الحلاقة، أن يلتقي بالرجلِ الذي خرَّبَ حياته. ـــــ عبدالله ناصر 

                               “   

 

 

 

 

 

 

 

Powered by WordPress.com.

Up ↑