
”غالباًيفقد السيطرة على نفسِه قليلًا كلما كان عليه أن يواجهَ أحدًا ليحدّثه عن شأنٍ من شؤونه الخاصة، فإنه، في هذه المرّة أيضًا، ونظرًا إلى عدم تحضيره مسبقًا للجملةِ الأولى التي بالنسبة إليه مفتاح لكل ما سيأتي بعدها، اضطربَ تماماً وأخذَ يتلعثم ويتمتم بكلام – قد يكون نوعاً من الاعتذار -، ولأنه لم يدرِ كيف يتصرف إثرَ ذلك فقد لجأَ إلى أوّل مقعد صادفه وجلس. ولكنه سرعان ما انتبه إلى أنه جلس دون أن يُدعى إلى ذلك، فقامَ من على الكرسي على الفور كي يصحّح خطأه الذي يتنافى معَ قواعد الآداب الاجتماعية المتعارف عليها . لكن سرعان ما تراجع عن فكرتِهِ بعد أن شعرَ أنه إذا ما وقف فإنه سيرتكب خطأ آخر. وقرّر أن يرتكبَ خطأً ثالثا حين حاول أن يفسّر ما أقدمَ عليه …“ ـــ دوستويفسكي
هذه المرّة الأولى التي أقرأ فيها لـ دوستويفسكي ، لطالما مرّت أمام عيني الكثير من الاقتباسات المذيّلة باسمه، وكانت اقتباسات غالبًا صائبة وعميقة، ليست على نحوٍ عاطفي وحسب ولكنّها أيضًا واقعية إلى حدّ غريب.. ذلك أنّ الكتابةَ والأفكارَ في أي عام و قرنٍ كانت، فهي تظلّ حيّةً حتى وإن مرّ عليها الزمان بأقدامَ وعكاكيز…
قررتُ القراءة له من هذا المنطلق وأظنني كنتُ موفقةً في اختيار (المزدوج) التي نُشرت في عام ١٨٤٦ م ، يتحدث فيها عن بطل الرواية السيد (غوليادكين) وازدواجيته أو فلنقل أيضًا جنونه! سترى الشخصية أمامك بل وقد تثير غيضك لمحاولة فهم مايجري لفرط الازدواجية وتقلّب الآراء وكذلك قد تتخبط مع السيد غوليادكين في كلّ عثراته النفسية واضطرابه الجليّ .
يمكنكم فهم ما أقصده تماماً في قراءة الاقتباس أعلاه، كيف أنّه قد يتصرف بشكلٍ عفويّ ثمّ يتساءل ما إن كانَ ما فعله أمرٌ مُناسب وأيضًا قد يبدّل رأيه في الثانية التي تليها بشكل مختلفٍ تمامًا تجعل القارىء ربما يضحك أو يشعر بالشفقة عليه، أو لعلّ القارىء يشاركه الشعور ويغرق في التيه نفسه والاضطراب في اتخاذ قرار بسيط كالجلوس على مقعد !
يؤسفني أن النّهايةَ ربما كانت مفتوحةً، أو أنها قُفِلتْ ولكن بشكل عاجل حتى بدت أن الفكرةَ كما لو أنّها لم تكتمل، أوّد لو أن العمل يصبح فيلمًا.. كنتُ أستطيع رؤيةَ المشاهد في خيالي باندماج شديد، لكنّها كلّها أحداثَ بطيئة للغاية، قد تُصاب حينًا بالملل أثناءَ قراءتها، وحينًا قد تجذبك المزيد من الصفحات لمعرفة النهاية.
” سأُطلِعكما على مبادئي في الحياة : الصمود عند الاخفاق، المواظبة عند النجاح؛ الابتعاد عن الدسائس، وعن تدبير المكائد…“ ـــ دوستويفسكي
برغم اضطرابه، ثمة الكثير من الحكمة التي تفوَّه بها السيد (غوليادكين)؛ الأمر الذي يجعلك تصدق مقولة ”خذوا الحكمةَ من أفواه المجانين“ برغم نفور الناس من حوله واشمئزازهم من غرابة تصرفاته، كان حكيمًا في مواضعَ مختلفة.
ختامًا، أحيانًا أتمنى قراءةَ العمل بلغته الأصلية لا عن ترجمة، أظن ثمة بريق يُفقد من الرواية حينما يكون أسلوب الكاتب مُشترك مع المترجم.
