
دعونا نعترف أننا في زمنِ ملاحقة التوازن، وأنّ العالم كله، من شرقهِ إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه يتداعى… لستُ سلبيةً إطلاقًا، بل كلّ من يعرفني لطالما يبدأ بإطراء تماسكي وتفاؤلي المستمرّ، لكن.. أنا أشعر بعدم التوازن وكتاب (أمة الدوبامين) للكاتبة والطبيبة (آنا ليمبيكي) ساعدني في فهم ذاتي التي تُفرط في فعلٍ ما بحثًا عن روعة الدوبامين وهو يملأ خلاياي العصبية ويهدّئ من سعيي للتوازن المزعوم. صحيحٌ أنّ ٧٠٪ تقريبًا من الحالات التي رصدتها الطبيبة النفسية في كتابها كان افراطهم في شربِ الكحول وتعاطي المخدرات سعيًا لشعورٍ مَا وذلك ما لا يتناسب مع مجتمعنا، لكن فكرة الإدمان تمتدّ أيضًا للافراط في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي والتعرّض للكثير من المعلومات والتفاعل المستمر في هذا العالم اللاواقعي تجنبًا للعالم الحقيقي ومايحمله من ألم أو ملل، الافراط في التسوّق الالكتروني والحصول على كل شيء بضغطة زر، الافراط في التباهي بالممتلكات كما لو أنّها الصورة العميقة للذات بينما كلّ ما يُلبس ويؤكل ويتم التباهي به بشكلٍ مفرط لهي سطحيةٍ تجرّ أصحابها في دوامة الحصول على كلّ ما هو باهظ وثمين لسدّ النقص والحاجة للشعور بالوجود (أنا أملِك إذًا أنا موجود)، هي جملة هذا العصر التافه .
”
أسهمتْ وسائل التواصل الاجتماعيّ في مشكلة الذات الزائفة، فقد سهّلت الأمر علينا،وشجعتنا على نظم وتنسيق رواياتٍ عن حياتنا البعيدة عن الواقع. ـــ آنا ليبمبيكي
وبغض النظر عن أننا انغمسنا بإفراط في هذا العالم الماديّ، أصبحنا لا نحتمل البقاء دونه، فهو العالم الذي يُشعرنا دائمًا بالسعادةِ والتحفيز، لقد نسينا شعور الملل الذي يمكنه في نهاية المطاف يجعلنا نُفكّر، ونصبر على تكوين فكرةٍ ما وإخراجها بشكلٍ مبدع أو يُقارب الابداع على الاقل… أصبحنا متفرجون وأدمغتنا تعفنت حرفيًا تحت وطأة المعلومات الكثيرة والسطحية لأنها – تلك المعلومات – تمنحنا شعورًا خفيًا بالخَدَر واللذة، ولكن لها تأثيرها المرعب على المراهقين بشكل خاص وبعض البالغين ما يجعل أفكارهم تقترب من الاكتئاب المستمر،فأصبحت فكرة النجاح ليسَ ما يُحصد بجهد صاحبها.. أصبحَ نجاح هذا العصر أن تحصل على حياة مرفهة ، (كيف يزيد رصيد حسابي البنكي٫ هل أظهر بمقطعٍ عابر قد يمتطي موجة (الترند) وأصبح مشهورًا ومن ثم ثريًا؟) كل هذه الافكار سمعتها ولمستها من مجتمعي القريب .. أليس من التفاهة أن تسمع فكرة كهذه حصولًا على المال؟
”
تدفعنا وسائل التواصل الاجتماعي إلى الميل نحو الشعور بالعار من الذات، من خلال دعوة الكثير من التمايز البغيض إلى حياتنا اليومية. نحنُ الآن نُقارن أنفسنا ليس فقط بزملائنا في الفصل، وجيراننا، وزملائنا في العمل، بل نقارن أنفسنا بالعالم بأسره، مما يجعل من السهل جدًا إقناع أنفسنا بأنه كان علينا فعل المزيد، أو الحصول على المزيد، أو العيش بشكلٍ مختلف. ـــ آنا ليمبيكي
هذا وجه من الوجوه الكثيرة للافراط في فعلٍ ما أو فلنقل (الإدمان) للحصول على لذة قصيرة الأمد، كيف يمكننا أن ننجو من الانغماس المفرط والغير صحّي فيما نتخذه مسكنًا لمواجهة الحياة الحقيقية ؟ كيف نحقق التوازن الذي نُريد ؟ كلها أسئلة قد تجد إجاباتها في هذا الكتاب ، أنصح بقراءته.. كان ممتعًا بحق.
